وإذا كان هناك اعتراض على بشرية الرسول فقد كان الرسل كلهم بشرا :
( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ، وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) . .
وإذا كان الاعتراض بأنه لم يأت بخارقة مادية ، فذلك ليس من شأنه إنما هو شأن الله :
( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) . .
وفق ما تقتضيه حكمته وعندما يشاء .
وإذا كان هناك خلاف جزئي بين ما أنزل على الرسول وما عليه أهل الكتاب ، فإن لكل فترة كتابا ، وهذا هو الكتاب الأخير :
{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب38 } .
لكل أجل كتاب : الأجل : الوقت والمدة ، والكتاب : الحكم المعين الذي يكتب على العباد ؛ حسب ما تقتضيه الحكمة .
38 { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية . . . }الآية .
أرسل الله الرسل من البشر ومن شأن البشر أن يتزوجوا ويولد لهم الولد قال سبحانه : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } . ( الفرقان : 20 ) . ومن مقتضى هذه البشرية ؛ إتيان الزوجات ، وكفالة الأولاد .
ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل ، فلماذا ينكر عليه اليهود وغيرهم زواج النساء . روى : أن أعداء النبي محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : ما نرى لهذا الرجل همة إلا في النساء ، ولو كان رسولا من عند الله حقا ؛ لما اشتغل عن رسالاته بالنساء ؛ فرد الله عليهم بهذه الآية ، حيث قال سبحانه : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } . وفي هذا تذكير بما كان عليه داود وسليمان عليهما السلام ؛ حيث كانت لهما زوجات كثيرات وذرية كثيرة ، ولم يقدح ذلك في نبوتهما .
على أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصرت حياته الأولى على زوجة واحدة ، هي : السيدة خديجة ، فلم يتزوج عليها في حياتها ، وحين ماتت كان عمره يناهز الخمسين .
فحياته في مكة كلها ، كانت مع زوجة واحدة هي : السيدة خديجة ، ولما هاجر إلى المدينة حدثت ظروف ودواع ؛ اقتضت الإصهار إلى القبائل لمصلحة الإسلام ، فكان من الخير أن تتعدد زوجاته ؛ لأهداف متعددة ، وأغراض حكيمة لهذا التعدد ، وكان لزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ، دور رئيس في بيان حياة الرسول الداخلية والخارجية ، وكانت عائشة رضي الله عنها تناقش الصحابة وتستدرك عليهم ، وتشرح وجهة نظرها لهم ، وكذلك بقية أمهات المؤمنين ، فكانت حكمة إلهية في زواجه عليه الصلاة والسلام ؛ تحقيقا لمعنى البشرية ، وتأكيدا لهذه القدوة العملية .
وفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أما أنا فأصوم وأفطر ، وأقوم وأرقد ، وآكل اللحم ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )xl .
{ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } .
أي : ما صح ولا استقام لرسول من رسل الله ، أن يأتي لقومه بمعجزة إلا بإذن الله ومشيئته وحكمته ، وقد تضمنت الرد على المشركين ، حين اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم طائفة من المعجزات مثل : زحزحة جبال مكة ، وتسخير الرياح لهم ، وتفجير ينابيع الأرض . . .
لكل وقت من الزمان شرع كتبه الله يناسب حال أهله ، وينتهي بانتهاء الحاجة إلى هذا الشرع ؛ لذلك ذكر العلماء : أنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ؛ فقد أرسل الله موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام في أزمنة متعددة ، رأى الله سبحانه وجودهم في هذه الأزمنة لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون ، وهكذا أعمار الناس وآجالهم ، كلها كتبت في آجال ومدد معينة ، لا تقديم فيها ولا تأخير .
ولكل أمر قضاه الله أجل وموعد لا يتقدم عنه ولا يتأخر ، ولكل وقت من الأوقات كتاب . أي : حكم معين يكتب على الناس حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية .
{ 38 - 39 } { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }
أي : لست أول رسول أرسل إلى الناس حتى يستغربوا رسالتك ، { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً } فلا يعيبك أعداؤك بأن يكون لك أزواج وذرية ، كما كان لإخوانك المرسلين ، فلأي شيء يقدحون فيك بذلك وهم يعلمون أن الرسل قبلك كذلك ؛ إلا لأجل أغراضهم الفاسدة وأهوائهم ؟ وإن طلبوا منك آية اقترحوها فليس لك من الأمر شيء .
{ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } والله لا يأذن فيها إلا في وقتها الذي قدره وقضاه ، { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ، فليس استعجالهم بالآيات أو بالعذاب موجبا لأن يقدم الله ما كتب أنه يؤخر مع أنه تعالى فعال لما يريد .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ( 38 ) }
وإذا قالوا : ما لك -يا محمد- تتزوج النساء ؟ فلقد بعثنا قبلك رسلا من البشر وجعلنا لهم أزواجًا وذرية ، وإذا قالوا : لو كان رسولا لأتى بما طلبنا من المعجزات ، فليس في وُسْع رسولٍ أن يأتي بمعجزةٍ أرادها قومه إلا بإذن الله . لكل أمر قضاه الله كتاب وأجل قد كتبه الله عنده ، لا يتقدم ولا يتأخر .
ثم بين - سبحانه - أن اعتراض المشركين على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم ليس إلا من قبيل التعنت والجحود ، لأن الرسل جميعا كانوا من البشر ، فقال - تعالى - : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً . . . }
أى : " ولقد أرسلنا رسلا " كثيرين " من قبلك " يا محمد " وجعلنا لهم " أى لهؤلاء الرسل " أزواجا " يسكنون إليهن " وذرية " أى : وأولادا تقرُّ بهم أعينهم .
قال الشوكانى : " وفى هذا الرد على من كان ينكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجه بالنساء .
أى : هذا شأن رسل الله المرسلين قبل هذا الرسول فما بالكم تنكرون عليه ما كانوا عليه " .
وقوله - سبحانه - : { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله . . . } رد على ما طلبوه منه صلى الله عليه وسلم من معجزات .
أى : وما صح وما استقام لرسول من الرسل أن يأتى لمن أرسل إليهم بمعجزة كائنة ما كانت إلا بإذن الله وإرادته المبنية على الحكم والمصالح التي عليها يدور أمر الكائنات .
وقوله - سبحانه - { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } تهديد للمشركين الذين كانوا يتعجلون حصول المقترحات التي طلبوها منه صلى الله عليه وسلم .
أى : لكل وقت من الأوقات " كتاب " أى : حكم معين يكتب على الناس حسبما تقتضيه مشيئته - سبحانه - .