ثم أمنه من خداعهم ، إن هم أرادوا خيانته ، وبيتوا الغدر من وراء الجنوح إلى السلم . وقال له : إن الله حسبه وكافيه وحافظه ؛ وهو الذي أيده بنصره - في بدر - وأيده بالمؤمنين وجمع قلوبهم على الود والإخاء في الإسلام ؛ وكانت عصية على التآلف ، لا يملك تأليفها إلا الله القدير الحكيم :
( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ، هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ، وألف بين قلوبهم ، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف بينهم ، إنه عزيز حكيم ) . .
حسبك الله ، فهو كافيك ، وهو الذي أيدك بنصره أول مرة ، وأيدك بالمؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ؛ وجعل منهم قوة موحدة ، بعد أن كانت قلوبهم شتى ، وعداواتهم جاهرة وبأسهم بينهم شديداً . سواء كان المقصود هم الأوس والخزرج - وهم الأنصار - فقد كان بينهم في الجاهلية من الثارات والدماء والمنازعات ما يستحيل معه الالتئام فضلاً على هذا الإخاء الذي لم تعرف له الأرض نظيراً ولا شبيهاً . . أو كان المقصود هم المهاجرون ، وهم كانوا كالأنصار في الجاهلية . . أو كان الجميع مقصودين ، فقد كانت هذه هي حالة عرب الجزيرة جميعاً !
يخدعونك : يظهروا لك السلم ويبطنوا الغدر والخيانة .
62 – { وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ . . . }الآية .
أي : وإن يريدوا بالصلح خديعة ليتقوا ويستعدوا ، فالله يكفيك أمرهم ، وينصرك عليهم ، فهو كافيك وحده ، وعاصمك من مكرهم وخديعتهم ، ومن تولى الله كفايته وحفظه ؛ لا يضره شيء .
{ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } .
هو الذي أنزل عليك نصره في بدر بدون إعداد العدة الكافية ، وأيدك بالمؤمنين من الأنصار والمهاجرين ونفذ ما قضى وحققه .
والتأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين :
أحدهما : ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة . والثاني : ما يحصل بواسطة أسباب معلومة .
فالأول : هو المراد من قوله : { أيدك بنصره } .
والثاني : هو المراد من قوله : { وبالمؤمنين }lii .
وهذه الآيات دليل واضح على جنوح الإسلام إلى السلم ؛ ما دام فيه مصلحة الإسلام وأهله ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ؛ أجابهم إلى ذلك ، مع ما اشترطوا من شروط مجحفة في حق المسلمين .
زعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة ؛ آية السيف في براءة : { قالوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . ( التوبة : 29 ) .
وقد ذكر الإمام الزركشي في كتابه : " البرهان في علوم القرآن " نقلا عن الشاطبي في الموافقات :
أن هذا ليس نسخا ولكنه تدرج في التشريع ؛ فحينما كان المسلمون ضعافا ؛ أمروا بالجنوح إلى الصلح والسلام .
ولما كانوا أقوياء قادرين ؛ أمروا بالقتال وإخراج المشركين من جزيرة العرب .
وجاء في تفسير ابن كثير ما يأتي :
قال ابن عباس ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم ، وعطاء الخراساني ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة : إن هذه الآية منسوخة ، بآية السيف في براءة .
وفيه نظر أيضا ؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك .
فأما إذا كان العدو كثيفا ؛ فإنه يجوز مهادنتهم ، كما دلت عليه الآية الكريمة : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها . . . } .
وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية . فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص .
وإذا تأملت الآية ، وجدتها تقرر مبدأ عاما في معاملة الأعداء ؛ هو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ؛ ما دام ذلك في مصلحة المسلمين .
فالحاكم المسلم له بصيرته وحسن تقديره للأمور ، وله مشورته للمسلمين ، واختيار الأصلح والأنسب ؛ فله أن يختار الحرب ، وله أن يختار المفاوضة والصلح ؛ والحكمة ضالة المؤمن ، والحكمة : هي حسن التأني للأمور ، ووضع الأمور في نصابها ، واختيار الأنسب والأوفق والأولى .
قال تعالى : { يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب } . ( البقرة : 269 ) .
ولا يخاف من السلم إلا خصلة واحدة ، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خدع المسلمين ، وانتهاز الفرصة فيهم ، . فأخبرهم اللّه أنه حسبهم وكافيهم خداعهم ، وأن ذلك يعود عليهم ضرره ، فقال : { وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ْ } أي : كافيك ما يؤذيك ، وهو القائم بمصالحك ومهماتك ، فقد سبق [ لك ] من كفايته لك ونصره ما يطمئن به قلبك .
فل { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ْ } أي : أعانك بمعونة سماوية ، وهو النصر منه الذي لا يقاومه شيء ، ومعونة بالمؤمنين بأن قيضهم لنصرك .
{ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 ) }
وإن أراد الذين عاهدوك المكر بك فإن الله سيكفيك خداعهم ؛ إنه هو الذي أنزل عليك نصره وقوَّاك بالمؤمنين من المهاجرين والأنصار ،
ثم أمن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - من خداع أعدائه ، إن هم أرادوا خيانته ، ويبتوا له الغدر من وراء الجنوح إلى السلم فقال - تعالى - : { وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين } .
أى : وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم في الظاهر أو يخدعوك - يا محمد - لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقاتلتك فلا تبال بخداعهم ، بل صالحهم مع ذلك إن كان في الصلح مصلحة للإِسلام وأهله ، ولا تخف منهم ، فإن الله كافيك بنصره ومعونته ، فهو - سبحانه - الذي أمدك بما أمدك به من وسائل النصر الظاهرة والخافية ، وهو - سبحانه - الذي أيدك بالمؤمنين الذين هانت عليهم أنفسهم وأموالهم في سبيل إعزاز هذا الدين ، وإعلاء كلمته . .
فالآية الكريمة تشجيع للنبى - صلى الله عليه وسلم - على السير في طريق الصلح ما دام فيه مصلحة للإِسلام وأهله ، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو أراد الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة . وقوله : { حَسْبَكَ } صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل . أى . بحسبك وكافيك .
قال الفخر الرازى : فإن قيل : أليس قد قال - تعالى - { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ . . . } أى : أظهر نقض ذلك العهد ، وهذا يناقض ما كذره في هذه الآية ؟
قلنا : قوله : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم بنوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظهر من أحوالهم الثبات على المسالمة وترك المنازعة . .
فإن قيل : لما قال : { هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } فأى حاجة مع نصره إلى المؤمنين حتى قال { وبالمؤمنين } ؟
قلنا : التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين : أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة والثانى ما يحصل بواسطة أسباب معلومة .
فالأول هو المراد من قوله { أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } والثانى هو المراد من قوله : { وبالمؤمنين } .