وبين الحين والحين يتلفت الناس فيذكرون ذلك المشهد المؤثر الذي رسمه القرآن الكريم : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) .
هذا في الدنيا ، وفي واقع الأرض : ( ثم يوم القيامة يخزيهم ، ويقول : أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ؟ ) .
ويرتسم مشهد من مشاهد القيامة يقف فيه هؤلاء المستكبرون الماكرون موقف الخزي ؛ وقد انتهى عهد الاستكبار والمكر . وجاءوا إلى صاحب الخلق والأمر ، يسألهم سؤال التبكيت والتأنيب : ( أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ؟ ) أين شركائي الذين كنتم تخاصمون من أجلهم الرسول والمؤمنين ، وتجادلون فيهم المقرين الموحدين ؟ .
ويسكت القوم من خزي ، لتنطلق ألسنة الذين أوتوا العلم من الملائكة والرسل والمؤمنين وقد أذن الله لهم أن يكونوا في هذا اليوم متكلمين ظاهرين : ( قال الذين أوتوا العلم : إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) . .
يخزيهم : يذلهم ويهينهم ، أو يعذبهم بالنار .
تشاقون : تخاصمون وتعادون المؤمنين ، وتنازعون الأنبياء في شأنهم ، وأصله : أن كلا من المتخاصمين ، في شق وجانب غير شق الآخر .
الذين أوتوا العلم : الأنبياء أو الملائكة أو العلماء .
{ ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم . . . } .
كانت الآية السابقة ، تتحدث عما أصاب المكذبين للرسل في الدنيا من العذاب والهلاك ، ثم جاءت هذه الآية ؛ لتبين ما ينتظرهم في الآخرة .
إن الله سيفضح هؤلاء المشركين على رءوس الخلائق ، مع الإذلال والإهانة ، ثم يسألهم سؤال توبيخ وتقريع : أين هؤلاء الشركاء الذين كنتم في الدنيا تخاصمون وتعادون من أجلهم الأنبياء ؟ ! هل حضروا ليشفعوا لكم ، كما كنتم تزعمون ؟ ! ، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } . ( القصص : 74 ) .
وكلمة { تشاقون فيهم }من المشاقة ، وهي عبارة عن كون كل واحد من الخصمين ، في شق غير شق صاحبه ، وقد كان الكافرون يقولون للمؤمنين : إنه لا بعث ولا حساب ، وإن صح ما تقولون من العذاب في الآخرة ؛ فإن الأصنام ستشفع لنا ، فناداهم الله على سبيل التبكيت والاحتقار لشأنهم ، أين هؤلاء الشركاء الذين زعمتم : أن لهم اليوم شفاعة ؟ ! .
والخلاصة : إنه لا شركاء ولا أماكن لهم .
{ قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين } .
أي : قال الذين أوتوا العلم بدلائل التوحيد ، وهم الأنبياء والمؤمنون ، وكل من اهتدى إلى الحق في الدنيا ، وأخلص لله تعالى العبادة والطاعة ، أو قال الدعاة والهداة والعلماء : إن الخزي الكامل ، والذل والهوان على هؤلاء الكافرين ، أصحاب القلوب المنكرة للحق ، والنفوس الجاحدة لليوم الآخر ، وما فيه من حساب وجزاء .
{ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ْ } أي : يفضحهم على رءوس الخلائق ويبين لهم كذبهم وافتراءهم على الله .
{ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ْ } أي : تحاربون وتعادون الله وحزبه لأجلهم وتزعمون أنهم شركاء لله ، فإذا سألهم هذا السؤال لم يكن لهم جواب إلا الإقرار بضلالهم ، والاعتراف بعنادهم فيقولون { ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ْ } { قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ْ } أي : العلماء الربانيون { إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ ْ } أي : يوم القيامة { وَالسُّوءَ ْ } أي : العذاب { عَلَى الْكَافِرِينَ ْ } وفي هذا فضيلة أهل العلم ، وأنهم الناطقون بالحق في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، وأن لقولهم اعتبارا عند الله وعند خلقه ، ثم ذكر ما يفعل بهم عند الوفاة وفي القيامة فقال : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ْ }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.