في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} (105)

93

ومن هذا المشهد المصور لنهاية الكون والأحياء في الآخرة يعود السياق لبيان سنة الله في وراثة الأرض ، وصيرورتها للصالحين من عبادة في الحياة . وبين المشهدين مناسبة وارتباط :

( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) . .

أو الزبور أما أن يكون كتابا بعينه هو الذي أوتيه داود عليه السلام . ويكون الذكر إذن هو التوراة التي سبقت الزبور . وإما أن يكون وصفا لكل كتاب بمعنى قطعة من الكتاب الأصيل الذي هو الذكر وهو اللوح المحفوظ ، الذي يمثل المنهج الكلي ، والمرجع الكامل ، لكل نواميس الله في الوجود .

وعلى أية حال فالمقصود بقوله : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر . . . )هو بيان سنة الله المقررة في وراثة الأرض : ( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) . .

فما هي هذه الوراثة ? ومن هم عباد الله الصالحون ?

لقد استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها وإصلاحها ، وتنميتها وتحويرها ، واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها ، واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة ، والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم الله .

ولقد وضع الله للبشر منهجا كاملا متكاملا للعمل على وفقه في هذه الأرض . منهجا يقوم على الإيمان والعمل الصالح . وفي الرسالة الأخيرة للبشر فصل هذا المنهج ، وشرع له القوانين التي تقيمه وتحرسه ؛ وتكفل التناسق والتوازن بين خطواته .

في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال ثرواتها والانتفاع بطاقاتها هو وحده المقصود . ولكن المقصود هو هذا مع العناية بضمير الإنسان ، ليبلغ الإنسان كماله المقدر له في هذه الحياة . فلا ينتكس حيوانا في وسط الحضارة المادية الزاهرة ؛ ولا يهبط إلى الدرك بإنسانيته وهو يرتفع إلى الأوج في استغلال موارد الثروة الظاهرة والمخبوءة .

وفي الطريق لبلوغ ذلك التوازن والتناسق تشيل كفة وترجح كفة . وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة . وقد يغلب عليها همج ومتبربرون وغزاة . وقد يغلب عليها كفار فجار يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالا ماديا . . ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق . والوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين ، الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح . فلا يفترق في كيانهم هذان العنصران ولا في حياتهم .

وحيثما اجتمع إيمان القلب ونشاط العمل في أمة فهي الوارثة للأرض في أية فترة من فترات التاريخ . ولكن حين يفترق هذان العنصران فالميزان يتأرجح . وقد تقع الغلبة للآخذين بالوسائل المادية حين يهمل الأخذ بها من يتظاهرون بالإيمان ، وحين تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح الدافع إلى العمل الصالح ، وإلى عمارة الأرض ، والقيام بتكاليف الخلافة التي وكلها الله إلى هذا الإنسان .

وما على أصحاب الإيمان إلا أن يحققوا مدلول إيمانهم ، وهو العمل الصالح ، والنهوض بتبعات الخلافة ليتحقق وعد الله ، وتجري سنته : ( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) . . فالمؤمنون العاملون هم العباد الصالحون . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} (105)

{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ( 106 ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( 107 ) } .

105

التفسير :

105 - وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ .

الزبور : الكتب التي أنزلت على الأنبياء .

الذكر : اللوح المحفوظ .

يطلق الزبور على الكتاب الذي أعطى لسيدنا داود ، قال تعالى : وآتينا داود زبورا . ( الإسراء : 55 ) .

ويطلق الذكر على التوراة . قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ . ( الأنبياء : 48 ) .

ويكون المعنى :

ولقد كتبنا في زبور داود من بعد توراة موسى ، أن ميراث الأرض والسيطرة عليها ، والنجاح في الغلبة على أرض الدنيا ، يكون لمن أخذ بأسباب الحضارة والقوة والتقدم والعمل والأمل ، وودع الكسل والترف والتراخي والفتور ، فهو صالح لعمارة الأرض واستغلال خيراتها ، وأهل لميراثها .

وتحتمل الآية وجها آخر :

أن المراد بالزبور : المزبور أي : المكتوب ، تقول : زبرت الكتاب ، أي : كتبته ، ويكون المراد بالزبور : جميع الكتب السماوية ، التي كتبها الله إلى رسله ، وأنزلها إلى خلقه ، ويكون المراد بالذكر : اللوح المحفوظ ، كأن الآية تشير إلى ناموس عام ، وقاعدة إلهية ، وسنة من سنن الله الكونية ، أن من تكون له الغلبة والرياسة ، والقدرة والقوة والسيطرة على أرض الدنيا ، هم أهل الصلاح والعمل .

اتجاهان للمفسرين :

من المفسرين من رأى أن المراد بالأرض أرض الجنة ، واستشهد بقوله تعالى في القرآن الكريم :

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ . ( الزمر : 74 ) .

ومن المفسرين من رأى أن المراد بالأرض أرض الدنيا واستشهد بقوله تعالى : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ . ( القصص : 5 ، 6 ) .

وعند التأمل نرى أنه لا يمنع أن يكون من إعجاز الآية ، صلاحها للإطلاقين معا في وقت واحد ، فيراد من الأرض أرض الدنيا وعزها ، وأرض الجنة ونعيمها ، فعباد الله الصالحون ، الذين يعملون ويجمعون بين العمل المادي ، والصلاح والتقوى ، أهل لميراث التفوق في أرض الدنيا ، ودخول الجنة في الآخرة .

من تفسير ابن كثير :

يقول تعالى : مخبرا عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة ، في الدنيا والآخرة ، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة ، كقوله تعالى : إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . ( الأعراف : 128 ) .

وقال : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ . ( غافر : 51 ) .

وقال تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ . . . ( النور : 55 ) .

وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية وهو كائن لا محالة ، ولهذا قال تعالى :

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ .

قال مجاهد : الزبور : الكتب ، والذكر : أم الكتاب عند الله . واختار ذلك ابن جرير رحمه الله . 1 ه .

وجاء في تفسير المراغي ما خلاصته :

صلاح الأمة يقوم على أربعة عمد :

1 – أن يكون قادتها علماء مفكرين ، وساستها حكماء عادلين بعيدين عن الجور والظلم ، يعملون لخير الأمة ورقيها .

2 – أن يكون لها جيش منظم متطور متقدم ، فيه المهندسون والمخترعون والقادة البارعون ، ولديه من الأسلحة ووسائل الدفاع ، ما يكشف عنه العلم المتطور ، من طائرات وغواصات وسفن حربية ، وجند حذقوا فنون الحرب ، وبلوا أساليبها المختلفة .

3 – أن يقوم أبناء الحرف المختلفة من تجار وصناع وزراع بأداء أعمالهم على الوجه المرضي ، وكل طائفة تظاهر الطوائف الأخرى ، وتعاونها الجميع .

4 – أن تنظم هذه الطوائف أعمالها ، بحيث تتوزع هذه المهن بيد الأفراد بحسب حاجة الأمة ، ويكون في كل طائفة جماعة مبرزون ، يفكرون فيما يرقي شئون الطائفة ، بحيث تنافس أمثالها في الأمم الأخرى أو تفوقها ، وهذا حكم أيدته التجارب ، في سائر العصور لدى جميع الدول .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} (105)

{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ } وهو الكتاب المزبور ، والمراد : الكتب المنزلة ، كالتوراة ونحوها { مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ } أي : كتبناه في الكتب المنزلة ، بعد ما كتبنا في الكتاب السابق ، الذي هو اللوح المحفوظ ، وأم الكتاب الذي توافقه جميع التقادير المتأخرة عنه والمكتوب في ذلك : { أَنَّ الْأَرْضَ } أي : أرض الجنة { يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } الذين قاموا بالمأمورات ، واجتنبوا المنهيات ، فهم الذين يورثهم الله الجنات ، كقول أهل الجنة : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ }

ويحتمل أن المراد : الاستخلاف في الأرض ، وأن الصالحين يمكن الله لهم في الأرض ، ويوليهم عليها كقوله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } الآية .