في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الحج

تعريف بالحج هذه السورة مشتركة بين مكية ومدنية كما يبدو من دلالة آياتها . وعلى الأخص آيات الأذن بالقتال . وآيات العقاب بالمثل ، فهي مدنية قطعا . فالمسلمون لم يؤذن لهم في القتال والقصاص إلا بعد الهجرة . وبعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة . أما قبل ذلك فقد قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حين بايعه أهل يثرب ، وعرضوا عليه أن يميلوا على أهل منى من الكفار فيقتلوهم " إني لم أومر بهذا " . حتى إذا صارت المدينة دار إسلام شرع الله القتال لرد أذى المشركين عن المسلمين والدفاع عن حرية العقيدة ، وحرية العبادة للمؤمنين .

والذي يغلب على السورة هو موضوعات السور المكية ، وجو السور المكية . فموضوعات التوحيد والتخويف من الساعة ، وإثبات البعث ، وإنكار الشرك . ومشاهد القيامة ، وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون . . بارزة في السورة وإلى جوارها الموضوعات المدنية من الإذن بالقتال ، وحماية الشعائر ، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد العدوان ، والأمر بالجهاد في سبيل الله .

والظلال الواضحة في جو السورة كلها هي ظلال القوة والشدة والعنف والرهبة . والتحذير والترهيب واستجاشة مشاعر التقوى والوجل والاستسلام .

تبدو هذه الظلال في المشاهد والأمثال . .

فمشهد البعث مزلزل عنيف رهيب : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم . يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) . .

وكذلك مشهد العذاب : ( فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ، يصب من فوق رؤوسهم الحميم ، يصهر به ما في بطونهم والجلود ، ولهم مقامع من حديد ، كلما أرادوا أن يخرجوا منها - من غم - أعيدوا فيها ، وذوقوا عذاب الحريق ) . .

ومثل الذي يشرك بالله : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) . .

وحركة من ييأس من نصر الله : ( من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ، ثم ليقطع ، فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ) . .

ومشهد القرى المدمرة بظلمها : ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة ، فهي خاوية على عروشها ، وبئر معطلة وقصر مشيد ) . .

تجتمع هذه المشاهد العنيفة المرهوبة إلى قوة الأوامر والتكاليف ، وتبرير الدفع بالقوة ، وتأكيد الوعد بالنصر والتمكين . إلى عرض الحديث عن قوة الله وضعف الشركاء المزعومين . .

ففي الأولى : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، وإن الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا : ربنا الله . ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا . ولينصرن الله من ينصره . إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر . ولله عاقبة الأمور ) . .

وفي الثانية : ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له . إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه . ضعف الطالب والمطلوب . ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ) . .

ووراء هذا وذلك ، الدعوة إلى التقوى والوجل واستجاشة مشاعر الرهبة والاستسلام .

تبدأ بها السورة وتتناثر في ثناياها : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) . . ( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) . . ( فإلهكم إله واحد ، فله أسلموا وبشر المخبتين . الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) . . ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) . .

ذلك إلى استعراض مشاهد الكون ، ومشاهد القيامة ، ومصارع الغابرين . والأمثلة والعبر والصور والتأملات لاستجاشة مشاعر الإيمان والتقوى والإخبات والاستسلام . . وهذا هو الظل الشائع في جو السورة كلها ، والذي يطبعها ويميزها .

ويجري سياق السورة في أربعة أشواط :

يبدأ الشوط الأول بالنداء العام . نداء الناس جميعا إلى تقوى الله ، وتخويفهم من زلزلة الساعة ، ووصف الهول المصاحب لها ، وهو هول عنيف مرهوب . ويعقب في ظل هذا الهول باستنكار الجدل في الله بغير علم ، واتباع كل شيطان محتوم على من يتبعه الضلال . ثم يعرض دلائل البعث من أطوار الحياة في جنين الإنسان ، وحياة النبات ؛ مسجلا تلك القربى بين أبناء الحياة ، ويربط بين تلك الأطوار المطردة الثابتة وبين أن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور . . وكلها سنن مطردة وحقائق ثابتة متصلة بناموس الوجود . . ثم يعود إلى استنكار الجدل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير بعد هذه الدلائل المستقرة في صلب الكون وفي نظام الوجود . وإلى استنكار بناء العقيدة على حساب الربح والخسارة ، والانحراف عن الاتجاه إلى الله عند وقوع الضراء ، والالتجاء إلى غير حماه ؛ واليأس من نصرة الله وعقباه . وينتهي هذا الشوط بتقرير أن الهدى والضلال بيد الله ، وأنه سيحكم بين أصحاب العقائد المختلفة يوم الحساب . . وهنا يعرض ذلك المشهد العنيف من مشاهد العذاب للكافرين ، وإلى جواره مشهد النعيم للمؤمنين .

ويتصل الشوط الثاني بنهاية الشوط الأول بالحديث عن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام . ويستنكر هذا الصد عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس جميعا . يستوي في ذلك المقيمون به والطارئون عليه . . وبهذه المناسبة يذكر طرفا من قصة بناء البيت ، وتكليف إبراهيم - عليه السلام - أن يقيمه على التوحيد ، وأن يطهره من رجس الشرك . ويستطرد إلى بعض شعائر الحج وما وراءها من استجاشة مشاعر التقوى في القلوب ، وهي الهدف المقصود . وينتهي هذا الشوط بالإذن للمؤمنين بالقتال لحماية الشعائر والعبادات من العدوان الذي يقع على المؤمنين ولا جريرة لهم إلا أن يقولوا : ربنا الله !

والشوط الثالث يتضمن عرض نماذج من تكذيب المكذبين من قبل ، ومن مصارع المكذبين ومشاهد القرى المدمرة على الظالمين . وذلك لبيان سنة الله في الدعوات ، وتسلية الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] عما يلقاه من صد وإعراض ، وتطمين المسلمين ، بالعاقبة التي لا بد أن تكون . كذلك يتضمن عرض طرف من كيد الشيطان للرسل والنبيين في دعوتهم ، وتثبيت الله لدعوته ، وإحكامه لآياته ، حتى يستيقن بها المؤمنون ، ويفتن بها الضعاف والمستكبرون !

أما الشوط الأخير فيتضمن وعد الله بنصرة من يقع عليه البغي وهو يدفع عنه العدوان ويتبع هذا الوعد بعرض دلائل القدرة في صفحات الكون ، وإلى جوارها يعرض صورة زرية لضعف الآلهة التي يركن إليها المشركون . . وينتهي الشوط وتنتهي السورة معه بنداء الذين آمنوا ليعبدوا ربهم ، ويجاهدوا في الله حق جهاده ، ويعتصموا بالله وحده ، وهم ينهضون بتكاليف عقيدتهم العريقة منذ أيام إبراهيم الخليل . .

وهكذا تتساوق موضوعات السورة وتتعاقب في مثل هذا التناسق . .

والآن نبدأ الشوط الأول بالتفصيل :

( يا أيها الناس اتقوا ربكم ، إن زلزلة الساعة شيء عظيم . يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ؛ وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد ) . .

مطلع عنيف رعيب ، ومشهد ترتجف لهوله القلوب . يبدأ بالنداء الشامل للناس جميعا : ( يا أيها الناس )يدعوهم إلى الخوف من الله : ( اتقوا ربكم )ويخوفهم ذلك اليوم العصيب : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) .

وهكذا يبدأ بالتهويل المجمل ، وبالتجهيل الذي يلقي ظل الهول يقصر عن تعريفه التعبير ، فيقال : إنه زلزلة . وإن الزلزلة ( شيء عظيم ) ، من غير تحديد ولا تعريف .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة الحج

سورة الحج مدنية نزلت بعد سورة النور

وقيل : إن سورة الحج من السور المكية ، وقد استثنى من ذهب إلى هذا الرأي الآيات من : ( 19 – 24 )i .

وكان الأولى أن يستثنى من قال إنها مكية آيات الإذن بالقتال من : ( 38 – 41 ) ، ومنها قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . ( الحج : 39 ) .

وعند التأمل في سورة الحج نجد أن أسلوبها وموضوعاتها وطريقتها أقرب إلى السور المكية .

فموضوعات التوحيد والتخويف من الساعة وإثبات البعث وإنكار الشرك ومشاهد القيامة وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون . . بارزة في السورة .

ويمكن أن يقال إن هذه السورة مشتركة بين مكة والمدينة كما يبدو من دلالة آياتها وعلى الأخص آيات الإذن بالقتال وآيات العقاب بالمثل في قوله تعالى : ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ . ( الحج : 60 ) .

فهذه الآيات مدنية لأن المسلمين لم يؤذن لهم في القتال والقصاص إلا بعد الهجرة وبعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة ، أما قبل ذلك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – حين بايعه أهل يثرب وعرضوا عليه أن يميلوا على أهل منى من الكفار فيقتلوهم : ( إني لم أومر بهذا ) . حتى إذا صارت المدينة دار إسلام ، شرع الله القتال لرد أذى المشركين عن المسلمين ، والدفاع عن حرية العقيدة ، وحرية العبادة للمؤمنين .

ومن الموضوعات المدنية في سورة الحج : حماية الشعائر ، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد العدوان ، والأمر بالجهاد في سبيل الله .

وفي السورة موضوعات أخرى عولجت بطريقة القرآن المكي وتغلب عليها السمات المكية وهذه السمات تجعل سورة الحج مما يشبه المكي وهو مدني .

سمات القوة :

تتضح في سورة الحج سمات القوة والعنف ، وأساليب الرهبة والتحذير ، واستجاشة مشاعر التقوى والوجل والخوف من بأس الله .

وتبدو هذه المعاني في المشاهد والأمثال :

فمشهد البعث مزلزل عنيف رهيب ، تذهل فيه الأم عن وليدها وهو بين يديها ، وكذلك مشهد العذاب :

فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رءوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ*كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ . ( الحج : 19 – 22 ) .

ومشهد القرى المدمرة بظلمها :

فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ . ( الحج : 45 ) .

تجتمع هذه المشاهد العنيفة المرهوبة إلى قوة الأوامر والتكاليف ، وتبرير الدفع بالقوة ، وتأكيد الوعد بالنصر والتمكين . إلى عرض الحديث عن قوة الله وضعف الشركاء المزعومين .

ووراء كل ذلك الدعوة إلى التقوى والوجل واستجاشة مشاهد الرهبة والامتثال لأمر الله ، تبدأ بها السورة وتتناثر في ثناياها : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . ( الحج : 1 ) .

ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ . ( الحج : 32 ) .

فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . . . ( الحج : 34 ، 35 ) .

لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ . ( الحج : 37 ) .

ذلكلل إلى استعراض مشاهد الكون ، ومشاهد القيامة ، ومصارع الغابرين ، والأمثلة والعبر ، والصور والتأملات ؛ لاستجاشة مشاعر الإيمان والتقوى والإخبات والاستسلام ، وهذه هي الروح السارية في جو السورة كلها والتي تطبعها وتميزها .

أقسام السورة وأفكارهاii

تشتمل سورة الحج على أربع مجموعات أو أقسام رئيسية يجري السياق فيها كالآتي :

القسم الأول :

يبدأ القسم الأول بالنداء العام : نداء الناس جميعا إلى تقوى الله ، وتخويفهم من زلزلة الساعة ووصف الهول المصاحب لها وهو هول عنيف مرهوب . في ظل هذا الهول باستنكار الجدل في الله بغير علم ، واتباع كل شيطان محتوم على من يتبعه الضلال ، ثم يعرض دلائل البعث من أطوار الحياة في حياة الإنسان وحياة النبات ، مسجلا تلك القربى بين أبناء الحياة ، ويربط بين تلك الأطوار المطردة الثابتة ، وبين أن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى ، وأنه على كل شيء قدير ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور . وكلها سنن مطردة ، وحقائق ثابتة متصلة بناموس الوجود ثم يعود إلى استنكار الجدل في الله بغير علم ، ولا هدى ولا كتاب منير .

بعد هذه الدلائل المستقرة في صلب الكون وفي نظام الوجود ، وإلى استنكار بناء العقيدة على حساب الربح والخسارة ، والانحراف عن الاتجاه إلى الله عند وقوع الضراء ، والالتجاء إلى غير حماه ، واليأس من نصرة الله وعقباه ، وينتهي هذا الشوط بتقرير أن الهدى والضلال بيد الله ، وأنه سيحكم بين أصحاب العقائد المختلفة يوم الحساب وهنا يعرض ذلك المشهد العنيف من مشاهد العذاب للكافرين ، وإلى جواره مشهد النعيم للمؤمنين . ويستغرق هذا القسم من أول السورة إلى الآية 24 .

القسم الثاني :

يبدأ القسم الثاني بالحديث عن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ، ويستنكر هذا الصد عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس جميعا . يستوي في ذلك المقيمون به والطارئون عليه ، وبهذه المناسبة يذكر طرفا من قصة بناء البيت ، وتكليف إبراهيم – عليه السلام – أن يقيمه على التوحيد ، وأن يطهره من رجس الشرك ، ويستطرد إلى بعض شعائر الحج وما وراءها من استجاشة مشاعر التقوى في القلوب وهو الهدف المقصود ، وينتهي هذا القسم بالإذن للمؤمنين في القتال ؛ لحماية الشعائر والعبادات من العدوان الذي يقع على المؤمنين ولا جريرة لهم إلا أن يقولوا ربنا الله .

ويستغرق هذا القسم الآيات : ( 25 – 41 ) .

القسم الثالث :

يبدأ القسم الثالث بعرض نماذج من تكذيب المكذبين من قبل ، ومن مصارع المكذبين ومشاهد القرى المدمرة على الظالمين ، وذلك لبيان سنة الله في الدعوات ، وتسلية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عما يلقاه من صد وإعراض وتطمين المسلمين بالعاقبة التي لا بد أن تكون ، كذلك يتضمن عرض طرف من كيد الشيطان للرسل والنبيين في دعوتهم ، وتثبيت الله لدعوته ، وإحكامه لآياته ، حتى يستقين بها المؤمنون ، ويفتن بها الضعاف والمستكبرون . ويستغرق هذا القسم الآيات : ( 42 – 59 ) .

القسم الرابع :

يتضمن القسم الرابع وعد الله بنصرة من وقع عليه البغي ؛ فقام يدفع عن نفسه العدوان ، ويتبع هذا الوعد بعرض دلائل القدرة في صفحات الكون ، وإلى جوارها يعرض صورة زرية لضعف الآلهة التي يركن إليها المشركون ، وينتهي هذا القسم وتنتهي السورة معه بنداء الذين آمنوا ليعبدوا ربهم ، ويجاهدوا في الله حق جهاده ، ويعتصموا بالله وحده ، وهم ينهضون بتكاليف عقيدتهم العريقة منذ أيام إبراهيم الخليل . ويستغرق هذا القسم الآيات : ( 60 – 78 ) .

ومن هذا العرض نجد تعاقب موضوعات السورة وتناسقها في حلقات متساوقة تسلم كل حلقة للتي تليها لتكون في مجموعها سورة كاملة هي سورة الحج .

حكمة التسمية :

سميت هذه السورة بسورة الحج لأنها اشتملت على الدعوة إلى الحج على لسان إبراهيم الخليل ، وفي الحج منافع دينية وعلمية وتجارية وسياحية .

قال تعالى :

وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ . ( الحج : 27 ، 28 ) .

في الحج يتجمع المسلمون من كل بلد ، للتعارف والتآلف والتشاور والتعاون ، وبذلك يصبحون يدا واحدة وقوة متآلفة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .

في الحج يشاهد الإنسان الأماكن المقدسة ، التي شهدت ميلاد الإسلام وولادة الرسول ورسالته وجهاده وهديه .

في الحج يتعرف المسلمون من كل قطر على إخوانهم ، ويتدارسون شئونهم ويعرفون آلامهم وآمالهم . وربما تعاقدوا على شراء ما يلزمهم أو عمل ما ينفعهم .

في الحج سياحة في أرض الله وأداء لمناسك مقدسة في موطن إبراهيم الخليل وهاجر وإسماعيل ، ورؤية الكعبة المقدسة وزمزم والصفا والمروة ومنى وعرفات ، وبعد الحج زيارة للمسجد النبوي وصلاة بالروضة ووقوف أمام قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزيارته ، وزيارة قبور الصحابة والشهداء ، ورؤية أمجاد الإسلام ومواقع المعارك ، وبذلك يستقر الإيمان في القلب والشعور ويصبح الحج عبادة ذات منافع متعددة ، إذا فهم المسلمون حكمته ورسالته .

مقصود السورة إجمالاiii

إذا أردنا التعرف على الأفكار المنثورة في سورة الحج فسنجدها تدور حول الأمور الآتية :

الوصية بالتقوى والطاعة ، وبيان هول الساعة وزلزلة القيامة ، والدليل على إثبات الحشر والنشر ، وجدال أهل الباطل مع أهل الحق . وذم أهل النفاق وعبادة الأوثان ، ومدح المؤمنين ، وبيان رعاية الله لرسوله ، ونصره رغم أنف الكافرين ، وسجود الكائنات لله . وقيام إبراهيم بالدعوة إلى الحج وبيان تعظيم الحرمات والشعائر ، والمنة على العباد بدفع فساد أهل الفساد ، وإهلاك القرى بسبب ظلم أهلها وذكر نسيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسهوه حال تلاوة القرآن ، وتثبيت المؤمنين ، وشقاق الكافرين حتى تفاجئهم الساعة ، وبيان قدرة الله سبحانه ، وعجز الأصنام وعبادها ، واصطفاء الرسل من الملائكة كجبريل ، ومن الإنس كمحمد ، وتكليف المؤمنين بأنواع من العبادة كالصلاة والجهاد والإحسان ، وترغيبهم في الوحدة والجماعة والتمسك بحبل الله في قوله : وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ . ( الحج : 78 ) .

تقديم

هذه سورة اختلف العلماء بين كونها مكية أو مدنية ، ومن رأى أنها مدنية ، استشهد بآيات الدعوة إلى القتال والإذن به ، ولم يؤذن بالقتال إلا في المدينة ، ومن رأى أنها مكية استشهد بقوة آياتها وشدة أسلوبها .

حتى قال العلماء : هي مما يشبه المكي وهو مدني .

وقال العزيزي :

وهي من أعاجيب السور ، نزلت : ليلا ونهارا ، سفرا وحضرا ، مكيا ومدنيا ، سلميا وحربيا ، محكما ومتشابها ، وآياتها 78 آية .

وقال الشيخ أحمد المراغي في تفسير المراغي :

وهي بحسب موضوعاتها أقسام ثلاثة :

1 – البعث والدليل عليه وما يتبع ذلك .

2 – الحج والمسجد الحرام .

3 - أمور عامة كالقتال ، وهلاك الظالمين ، والاستدلال بنظام الدنيا على وجود الخالق ، وضرب المثل بعجز الأصنام ، وعدم استطاعتها خلق الذباب .

بسم الله الرحمن الرحيم

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ( 2 ) } .

التفسير :

1 - يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ .

التقوى : مراقبة الله تعالى ، والبعد عن كل ما يكسب الإثم من فعل أو ترك .

الزلزلة : الحركة الشديدة بحيث تزيل الأشياء من أماكنها .

افتتاح يدعو إلى التقوى ويحث عليها ، وتقوى الله مراقبته وامتثال أمره ، واجتناب نواهيه ، وقد تكرر الأمر بالتقوى في القرآن الكريم ، ففي أول سورة النساء : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ . ( النساء : 1 ) .

وفي أوائل سورة البقرة : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . ( البقرة : 21 ) .

وقال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ . ( لقمان : 33 ، 34 ) .

إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ .

أي : إن الزلزلة التي تكون حين قيام الساعة ، قبل قيام الناس من قبورهم ، أمر عظيم هائل كما قال تعالى : إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا . ( الزلزلة : 1 ، 2 ) .

وقال تعالى : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ . ( الحاقة : 13 – 17 ) .

وقال تعالى : إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا . ( الواقعة : 1 ، 6 ) .

وإذا كانت الزلزلة وحدها لا تحتمل ، فما بالك بما يحدث في ذلك اليوم من الحشر والجزاء ، والحساب على الأعمال ، لدى من لا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الحج قيل : مكية ، وقيل : مدنية

{ 1 - 2 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ }

يخاطب الله الناس كافة ، بأن يتقوا ربهم ، الذي رباهم بالنعم الظاهرة والباطنة ، فحقيق بهم أن يتقوه ، بترك الشرك والفسوق والعصيان ، ويمتثلوا أوامره ، مهما استطاعوا .

ثم ذكر ما يعينهم على التقوى ، ويحذرهم من تركها ، وهو الإخبار بأهوال القيامة ، فقال :

{ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } لا يقدر قدره ، ولا يبلغ كنهه ، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة ، رجفت الأرض وارتجت ، وزلزلت زلزالها ، وتصدعت الجبال ، واندكت ، وكانت كثيبا مهيلا ، ثم كانت هباء منبثا ، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج .

فهناك تنفطر السماء ، وتكور الشمس والقمر ، وتنتثر النجوم ، ويكون من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب ، وتجل منه الأفئدة ، وتشيب منه الولدان ، وتذوب له الصم الصلاب ، ولهذا قال : { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } .