في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ} (17)

15

( وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ) . .

فهذا هو موكب سليمان محشود محشور . يتألف من الجن والإنس والطير . والإنس معروفون ، أما الجن فهم خلق لا نعرف عنهم إلا ما قصه الله علينا من أمرهم في القرآن . وهو أنه خلقهم من مارج من نار . أي من لهيب متموج من النار . وأنهم يرون البشر والبشر لا يرونهم ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم )[ الكلام عن إبليس أو الشيطان وإبليس من الجن ] وأنهم قادرون على الوسوسة في صدور الناس بالشر عادة والإيحاء لهم بالمعصية - ولا ندري كيف - وأن منهم طائفة آمنت برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولم يرهم هو أو يعرف منهم إيمانهم ولكن أخبره الله بذلك إخبارا : ( قل : أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ، يهدي إلى الرشد فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا . . )ونعرف أن الله سخر طائفة منهم لسليمان يبنون له المحاريب والتماثيل والجفان الكبيرة للطعام ، ويغوصون له في البحر ، ويأتمرون بأمره بإذن الله . ومنهم هؤلاء الذين يظهرون هنا في موكبه مع إخوانهم من الإنس والطير .

ونقول : إن الله سخر لسليمان طائفة من الجن وطائفة من والطير كما سخر له طائفة من الإنس . وكما أنه لم يكن كل أهل الأرض من الإنس جندا لسليمان - إذ أن ملكه لم يتجاوز ما يعرف الآن بفلسطين ولبنان وسوريا والعراق إلى ضفة الفرات - فكذلك لم يكن جميع الجن ولا جميع الطير مسخرين له ، إنما كانت طائفة من كل أمة على السواء .

ونستند في مسألة الجن إلى أن إبليس وذريته من الجن كما قال القرآن . . ( إن إبليس كان من الجن ) . . وقال في سورة " الناس " : ( الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس )وهؤلاء كانوا يزاولون الإغواء والشر والوسوسة للبشر في عهد سليمان . وما كانوا ليزاولوا هذا وهم مسخرون له مقيدون بأمره . وهو نبي يدعو إلى الهدى . فالمفهوم إذن أن طائفة من الجن هي التي كانت مسخرة له .

ونستند في مسألة الطير إلى أن سليمان حين تفقد الطير علم بغيبة الهدهد . ولو كانت جميع الطيور مسخرة له ، محشورة في موكبه ، ومنها جميع الهداهد ، ما استطاع أن يتبين غيبة هدهد واحد من ملايين الهداهد فضلا على بلايين الطير . ولما قال : ما لي لا أرى الهدهد ? فهو إذن هدهد خاص بشخصه وذاته ، وقد يكون هو الذي سخر لسليمان من أمة الهداهد ، أو يكون صاحب النوبة في ذلك الموكب من المجموعة المحدودة العدد من جنسه . ويعين على هذا ما ظهر من أن ذلك الهدهد موهوب إدراكا خاصا ليس من نوع إدراك الهداهد ولا الطير بصفة عامة . ولا بد أن هذه الهبة كانت للطائفة الخاصة التي سخرت لسليمان . لا لجميع الهداهد وجميع الطيور . فإن نوع الإدراك الذي ظهر من ذلك الهدهد الخاص في مستوى يعادل مستوى العقلاء الأذكياء الأتقياء من الناس !

حشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير . وهو موكب عظيم ، وحشد كبير ، يجمع أوله على آخره ( فهم يوزعون )حتى لا يتفرقوا وتشيع فيهم الفوضى . فهو حشد عسكري منظم . يطلق عليه اصطلاح الجنود ، إشارة الحشد والتنظيم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ} (17)

15

المفردات :

حشر : جمع .

يوزعون : يحبس أولهم ليلحق آخرهم ، فيكونون مجتمعين لا يتخلف منهم أحد .

التفسير :

17-{ وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون }

كان لسليمان جيش كبير ، في غاية النظام والترتيب ، يصطف الإنس ثم الجن ، وتصطف الطير فوق رءوسهم لحمايتهم من وهج الشمس ، ولكل فئة من الثلاث قائد أو وازع ينظمهم ، ويحبس أوّلهم حتى يحضر آخرهم .

ومعنى : يُوزعُون . أي : يحبسون ويمنعون من المضي حتى يتلاحقوا ويجتمعوا .

والإيزاع : الحث على الوزع ، وهو الكفّ والمنع .

ومنه قول عثمان رضي الله عنه : ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن .

وقول الشاعر :

ومن لم يزعه لبّه وحياؤه *** فليس له من شيب فوديه وازع

لقد أعطى الله سليمان ملكا لم يعطه لأحد من بعده ، مثل ملك الجن والريح والطير ، استجابة لدعائه ، { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب*فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب*والشياطين كل بناء وغواص*وآخرين مقرنين في الأصفاد } [ ص : 35-38 ] .

وقال تعالى : { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير*يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات . . } [ سبأ 12 ، 13 ]

كل هذا الملك ، والجيوش المتعددة الأنواع ، ومعرفة لغة الطير ، وتسخير الجن ، والتفوق في القضاء ، قابله داود بالشكر والعرفان .

قال تعالى : { اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور } [ سبأ : 13 ]

وعندما رأى سليمان عرش بلقيس مستقرا عنده ، قال : { هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم } [ النمل : 40 ]

عبرة بالآية

جاء في أحكام القرآن لابن العربي –تعليقا على قول عثمان : ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن- قد جهل قوم المراد بهذا الكلام ، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن ، وهذا جهل بالله وحكمه وحكمته ، فإن الله تعالى ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق ، ولكن الظلمة خاسوا بها ، وقصروا عنها ، وأتوا ما أتوا بغير نية منها ، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها ، فلم يرتدع الخلق بها ، ولو حكموا العدل ، وأخلصوا النية ، لاستقامت الأمور ، وصلح الجمهور .

لغة الطير

يتسابق العلماء الآن في معرفة لغة الطير والحيوانات ، وقد علمها الله تعالى لسليمان ، وأشار القرآن إلى تنظيم أمة النحل وأمة النمل ، وأمثالها من الأمم ، حيث قال تعالى : { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء . . } [ الأنعام : 38 ] .

وقد سبق القرآن الكشوف العلمية ، وأيدته المشاهدة ، فالنحل له ملكة تدبر أمره ، وتسوسه ، وبلغ من دقة إدراكه أنه يصنع بيوتا مسدسة الأضلاع لتجميع عسله فيها ، بمقاييس غاية في الدقة ، وبالجملة فدراسة مملكة النحل وأمته تحير الأفكار ، ومثلها النمل وجميع الكائنات الحية ، ومن أغرب المشاهدات تلك الطيور ، التي تقطع آلاف الأميال في موسم الشتاء طلبا للدفء والرزق ، ثم تعود أدراجها في مواسم معينة ، إلى نفس العش الذي تركته ، فوق مبنى أو فوق شجرة ، ولا تخطئ طريقها ، وكل طائفة تسير خلف نذيرها ومرشدها ، وهي تطير على هدى إدراك داخلي أقوى من [ الرادار ] ، لقد ألهمها الخالق سبحانه البحث عن رزقها ، والسير في الفضاء والهواء ، بإلهام من الله العلي القدير ، وتجد أنواعا من السمك ، تهاجر آلاف الأميال ، لتضع البيض ، ثم يفقس البيض ، ويتحول إلى سمك ، ويبدأ السمك رحلة العودة من حيث جاءت أصوله ، فسبحان الذي ألهم هذه الكائنات ، أسرار وجودها ، وطريقة حياتها ، ونظام معيشتها ، بما يفيد أن وراء هذا الكون البديع ، يدا حانية تحفظ وجوده ، وتدعّم تماسكه وتقدر أقواته ، وانظر إلى قوله تعالى : { قال فمن ربكما يا موسى*قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [ طه : 49 ، 50 ] .

وقال تعالى : { وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } [ فصلت : 10 ] .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ} (17)

{ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي : جمع له جنوده الكثيرة الهائلة المتنوعة من بني آدم ، ومن الجن والشياطين ومن الطيور فهم يوزعون يدبرون ويرد أولهم على آخرهم ، وينظمون غاية التنظيم في سيرهم ونزولهم وحلهم وترحالهم قد استعد لذلك وأعد له عدته .

وكل هذه الجنود مؤتمرة بأمره لا تقدر على عصيانه ولا تتمرد عنه ، قال تعالى : { هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ } أي : أعط بغير حساب ، فسار بهذه الجنود الضخمة في بعض أسفاره{[591]}

[ ص 603 ]


[591]:- في أ: في بعض في.