في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (46)

41

وأما طاعة الله ورسوله ، فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين لله ابتداء ؛ فتبطل أسباب النزاع التي أعقبت الأمر بالطاعة : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) . . فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه ؛ وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار . فإذا استسلم الناس للهورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر ، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها ! وإنما هو وضع " الذات " في كفة ، والحق في كفة ؛ وترجيح الذات على الحق ابتداء ! . . ومن ثم هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة . . إنه من عمليات " الضبط " التي لا بد منها في المعركة . . إنها طاعة القيادة العليا فيها ، التي تنبثق منها طاعة الأمير الذي يقودها . وهي طاعة قلبية عميقة لا مجرد الطاعة التنظيمية في الجيوش التي لا تجاهد لله ، ولا يقوم ولاؤها للقيادة على ولائها لله أصلاً . . والمسافة كبيرة كبيرة . .

وأما الصبر . فهو الصفة التي لا بد منها لخوض المعركة . . أية معركة . . في ميدان النفس أم في ميدان القتال .

( واصبروا ، إن الله مع الصابرين ) . .

وهذه المعية من الله هي الضمان للصابرين بالفوز والغلب والفلاح .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (46)

المفردات :

ولا تنازعوا : ولا تختلفوا .

تفشلوا : تجنبوا وتضعفوا . والفشل في الأصل : الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر وأكثر أسبابه : الضعف والجبن ولذلك فسروه هنا بهما .

تذهب ريحكم : تذهب قوتكم .

46 – { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .

هذه الآية معطوفة على ما قبلها ، حيث يرسم الحق سبحانه لعباده المؤمنين طريق النصر ، فأمرهم بالثبات وبذكر الله تعالى ، في الآية السابقة .

وعطف هذه الآية على ما سبق ، فأمرهم بطاعة الله ورسوله ، والتزام أوامرهما ، والابتعاد عما نهى الله ورسوله عنه .

وطاعة الله باب من أبواب السعادة الدنيوية والأخروية ، فمن وجد الله ؛ وجد كل شيء ، ومن فقد الله ؛ فقد كل شيء . وقد روى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله عز وجل :

" ما تقرب عبدي إلى بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته ؛ كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن دعاني ؛ لأجيبنّه ، ولئن سألني ؛ لأعطينه " xxxvi .

النزاع

تنهى الآية عن التنازع والاختلاف ، وعندما تختلف طوائف الأمة ، ويحاول كل طرف أن ينزع ما في يد الطرف الآخر ؛ يأتي باب الفشل والإحباط والاصطدام ، فتنحط الدولة ، وتذهب ريحها ، وهو كناية عن دوال دولتها ، واضمحلال أمرها .

ومن كلام العرب : هبت ريح فلان ؛ إذا دالت له الدولة ، وجرى أمره على ما يريد ؛ وركدت ريح فلان ؛ إذا ولت عنه وأدبر أمره . قال الشاعر :

إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون

ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فما تدري السكون متى يكون ؟

ثم تأمر الآية بالصبر ؛ فالصبر طريق الظفر ، وقد ذكر الصبر في القرآن الكريم في أكثر من سبعين موضعا . والصبر من المؤمن بمنزلة الرأس من الجسد ، من لا صبر له ؛ لا إيمان له ، ومن لا رأس له ؛ لا جسد له . قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . ( آل عمران : 200 ) .

ويكفي أن الله وعد الصابرين بأن يكون معهم بالعون والتأييد والنصر ؛ فقال سبحانه : { إن الله مع الصابرين } .

وبذلك ترى أن الله تعالى يعلّم عباده المؤمنين السبيل إلى النصر ؛ فيأمرهم بما يأتي :

1 – الثبات عند اللقاء .

2 - ذكر الله ذكرا كثيرا في شدة البأساء .

3 – طاعة الله ورسوله .

4 – البعد عن التنازع والاختلاف .

5 – الصبر ، وإعداد العدة ، والتضحية بالنفس والمال .

وهي في جملتها عوامل أساسية في ترابط بنيان الأمة ، وقوة شأنها ، وانتصارها على أعدائها .

قال الإمام ابن كثير في تفسيره لهاتين الآيتين ما يأتي :

وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة ، والائتمار بما أمرهم الله ورسوله ، وامتثال ما أرشدهم إليه ، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ، ولا يكون لأحد ممن بعدهم ، فإنهم ببركة الرسول وطاعته فيما أمرهم ، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم ، من الروم والفرس ، والترك والصقالبة والبربر ، والحبوش ، وأصناف السودان ، والقبط وطوائف بني آدم ؛ قهروا الجميع حتى علت كلمة الله ، وظهر دينه على سائر الأديان ، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ، في أقل من ثلاثين سنة ، فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وحشرنا في زمرتهم ، إنه كريم وهابxxxvii .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (46)

{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ْ } في استعمال ما أمرا به ، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال .

{ وَلَا تَنَازَعُوا ْ } تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها ، { فَتَفْشَلُوا ْ } أي : تجبنوا { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ْ } أي : تنحل عزائمكم ، وتفرق قوتكم ، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة اللّه ورسوله .

{ وَاصْبِرُوا ْ } نفوسكم على طاعة اللّه { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ْ } بالعون والنصر والتأييد ، واخشعوا لربكم واخضعوا له .