والفريق الأخير هو الذي لم يبت في أمره ، وقد وكل أمره إلى ربه :
( وآخرون مُرجَون لأمر اللّه ، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ، واللّه عليم حكيم ) . .
وهؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك - غير المنافقين والمعتذرين والمخطئين التائبين - وهذا القسم لم يكن حتى نزول هذه الآية قد بت في أمره بشيء .
وكان أمرهم موكولا إلى اللّه ، لم يعلموه ولم يعلمه الناس بعد . . وقد روي أن هذه الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا - أي أجل إعلان توبتهم والقضاء في أمرهم - وهم مرارة بن الربيع ، وكعب بن مالك ، وهلال ابن أمية ، الذين قعدوا عن غزوة تبوك كسلاً وميلاً إلى الدعة واسترواحاً للظلال في حر الهاجرة ! ثم كان لهم شأن مع رسول اللّه - [ ص ] - سيأتي تفصيله في موضعه من السورة في الدرس التالي .
روى ابن جرير بإسناده - عن ابن عباس - قال : لما نزلت هذه الآية . . يعني قوله : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) . . أخذ رسول اللّه [ ص ] من أموالهم . . يعني أموال أبي لبابة وصاحبيه . . فتصدق بها عنهم ، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة ، ولم يوثقوا ولم يذكروا بشيء ، ولم ينزل عذرهم ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وهم الذين قال اللّه : ( وآخرون مرجون لأمر اللّه إما يعذبهم وإما يتوب عليهم واللّه عليم حكيم ) . . فجعل الناس يقولون . هلكوا ! إذ لم ينزل لهم عذر . وجعل آخرون يقولون : عسى اللّه أن يغفر لهم ! فصاروا مرجئين لأمر اللّه ، حتى نزلت : ( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) . . الذين خرجوا معه إلى الشام . . ( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ) . . ثم قال : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا )- يعني المرجئين لأمر اللّه - نزلت عليهم التوبة فعموا بها ، فقال : ( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ) . . إلى قوله : ( إن اللّه هو التواب الرحيم ) . . [ وكذلك روى - بإسناده - عن عكرمة وعن مجاهد ، وعن الضحاك وعن قتادة . وعن ابن إسحاق ] . فهذه الرواية أرجح واللّه أعلم .
ولما كان أمرهم مرجأ ، فإننا نحب أن نرجئ الحديث فيه حتى يجيء في موضعه . إن شاء اللّه تعالى .
{ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ( 106 ) }
106 { وآخرون مرجون لأمر الله… } الآية .
نزلت هذه الآية بشأن ثلاثة من المسلمين ؛ تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذر ؛ إنما قعد بهم الدعة والراحة ، وقد حاولوا أن يلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد ، بيد أنهم ترددوا حتى عاد الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك ، وجاء المنافقون فاعتذروا أعذارا كاذبة ، وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم ظواهرهم ووكل سرائرهم إلى الله .
أما هؤلاء الثلاثة فقد صدقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقالوا : يا رسول الله ، تخلفنا بدون عذر ؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتركوهم حتى ينزل الله فيهم أمره ، فهجرهم المسلمون خمسين ليلة ، لا يسلمون عليهم ، ولا يردون عليهم السلام ؛ وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتزلوا نساءهم ، وكان أمرهم مترددا بين قبول توبتهم ، أو رفضها جزاء تخلفهم عن الجهاد ، بيد أن الله تعالى قبل توبتهم في آخر السورة ، حيث قال سبحانه بشأنهم : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } ( التوبة : 118 ) .
وهؤلاء الثلاثة : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع . كلهم من الأنصار ، وقد وردت قصتهم في صحيح البخاري . وقد علق الله أمرهم ، وهو العليم بكل أمر ؛ رغبة في ترك موضوعهم معلقا ، حتى يستمر ندمهم على ما فعلوا وليكونوا عبرة لغيرهم ؛ حتى لا يتخلف مؤمن عن الجهاد .
المعنى : وآخرون من المتخلفين موقوفون : { مرجون لأمر الله } . أي : مرجئون ومؤخرون لأمر الله في شأنهم ، إما أن يعذبهم لتخلفهم عن الجهاد ، وإما أن يقبل توبتهم ؛ بعد أن تخلص نفوسهم وقلوبهم من الإخلاد إلى الدعة والراحة ، وإيثار ذلك على الجهاد ؛ { والله عليم } بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو ، وبما يصلح عباده ويربيهم ، حكيم في أفعاله وأقواله ، ومن حكمته إرجاء النص على توبتهم .
وكان المتخلفون عن غزوة تبوك أصنافا ثلاثة :
1 المنافقون الذين مردوا على النفاق وهم أكثر المتخلفين .
2 التائبون المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم ، وتابوا فتاب الله عليهم ، وهم الذين ربطوا أنفسهم بالسواري ؛ وهم أبو لبابة وأصحابه ، فنزلت توبتهم .
3 الذين بقوا موقوفين مترددين ، لم يعتذروا للنبي صلى الله عليه وسلم عن تخلفهم ، وأرجئوا توبتهم ، فلم يربطوا أنفسهم في سواري المسجد ، فأرجأ الله الحكم في أمرهم . فوقف أمرهم خمسين ليلة ، وهجرهم الناس ، حتى صدقت توبتهم ؛ وعظم ندمهم : { ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا . . . } ( التوبة : 118 ) .
الحكمة الإلهية قد تقتضي البث في شأن بعض العباد ، وقد ترجئ ذلك ؛ ليظل الناس في أمل ورجاء ، ورهبة وخوف ، وقد أثمرت هذه الحكمة في دفع هؤلاء الثلاثة إلى شدة الندم ، وصدق التوبة حتى تاب الله عليهم .
ثم بين - سبحانه - حال قسم آخر من أقسام المتخلفين عن غزوة تبوك ، فقال - تعالى - : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ . . } .
قال الجمل : قوله : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ . . } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عمر وابو بكر عن عاصم " مرجأون " بهمزة مضمونة بعدها واو ساكنة . وقرأ الباقون " مرجون " دون تلك الهمزة . . وهما لغتان ، يقال أرجأته وأرجيته . . "
وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : { وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً } .
والمعنى : ومن المتخلفين عن الخروج معك إلى تبوك - يا محمد - قوم آخرون موقوف أمرهم إلى أن يحكم الله بحكمه العادل ، فهو - سبحانه - " إما يعذبهم " بأن يميتهم بلا توبة { وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } أى : يقبل توبتهم .
وهذا الترديد الذي يدل عليه لفظ " إما " ، إنما هو بالنسبة للناس ، وإلا فالله - تعالى - عليم بما هو فاعله بهم .
والحكمة من إيهام أمرهم ، إثارة الهم والخوف في قلوبهم لتصح توبتهم ؛ لأن التوبة عندما تجئ بعد ندم شديد ، وتأديب نفسى . . تكون مرجوة القبول منه - سبحانه - .
وقوله { والله عَلِيمٌ } أى : والله - تعالى - عليم بأحوال خلقه وبما يصلحهم في أمورهم ، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام .
قال الآلوسى : والمراد بهؤلاء " المرجون لأمر الله . . . " " كما جاء في الصحيحين : هلال بن أمية ، وكعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، كانوا قد تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، وهموا باللحاق به فلم يتيسر لهم ذلك - فقعدوا في المدينة كسلا وميلا إلى الدعة - ولم يكن تخلفهم عن نفاق ، فلما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - وكان ما كان من أمر المتخلفين - قالوا : لا عذر لنا إلا الخطئية ، ولم يعتذروا كما اعتذر غيرهم ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باجتنابهم . . إلى أن نزل قوله - تعالى - بعد ذلك : { لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار } . . { وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ } فأمر - صلى الله عليه وسلم - بخالطتهم ، وكانت مدة وقفهم خمسين ليلة بقدر مدة التخلف ، إذ كانت مدة غيبته - صلى الله عليه وسلم - عن المدينة خميسن ليلة ، فلما تمتعوا بالراحة في تلك المدة مع تعب إخوانهم في السفر ، عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك المدة " .
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد ذكرت ثلاث طوائف من المتخلفين عن غزوة تبوك .
أما الطائفة الأولى فهى التي مردت على النفاق ، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق . . } وأما الطائفة الثانية فهى التي سارعت إلى الاعتذار والاتراف بالذنب ، فقبل الله توبتهم ، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : { وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً } .
وأما الطائفة الثالثة فهى التي لم تجد عذرا تعتذر به ، فأوقف الله أمرهم إلى أن حكم بقبول توبتهم بعد خمسين ليلة ، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ . . } .