في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (103)

97

ثم قال اللّه لنبيه - [ ص ] - :

( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ، واللّه سميع عليم ) . .

ولقد كانت تلك الحساسية التي بعثت الندم والتوبة في تلك القلوب ، جديرة بالطمأنينة ، حقيقة بالعطف الذي يسكب فيها الأمل ، ويفتح لها أبواب الرجاء . . وإن كان رسول اللّه - [ ص ] - وهو يقود حركة ، ويربي أمة ، وينشئ نظاماً ، قد رأى الأخذ بالحزم في أمرهم حتى يأتيه أمر من ربه في شأنهم . . قال ابن جرير : حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما أطلق رسول اللّه - [ ص ] - أبا لبابة وصاحبيه ، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم ، فأتوا بها رسول اللّه - [ ص ] - فقالوا : خذ من أموالنا فتصدق بها عنا وصل علينا . . يقولون : استغفر لنا . . وطهرنا . فقال رسول اللّه - [ ص ] - لا آخذ منها شيئاً حتى أومر . فأنزل اللّه : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) . يقول : استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا . فلما نزلت الآية أخذ رسول اللّه - [ ص ] - جزءا من أموالهم ، فتصدق به عنهم " .

وهكذا من اللّه عليهم لما علمه سبحانه من حسن سريرتهم ، وصدق توبتهم ، فأمر رسوله - [ ص ] - أن يأخذ بعض أموالهم يتصدق بها عنهم ، وأن يصلي عليهم - أي يدعو لهم ، فالأصل في الصلاة الدعاء - ذلك أن أخذ الصدقة منهم يرد إليهم شعورهم بعضويتهم الكاملة في الجماعة المسلمة ، فهم يشاركون في واجباتها ، وينهضون بأعبائها ، وهم لم ينبذوا منها ولم ينبتوا عنها ؛ وفي تطوعهم بهذه الصدقات تطهير لهم وتزكية ، وفي دعاء الرسول - [ ص ] - لهم طمأنينة وسكن .

( واللّه سميع عليم ) . .

يسمع الدعاء ، ويعلم ما في القلوب . ويقضي بما يسمعه ويعلمه قضاء السميع العليم . وهو وحده الذي يقضي في شأن العباد ، فيقبل منهم توبتهم ويأخذ منهم صدقاتهم ، ورسول اللّه - [ ص ] - ينفذ ما يأمره به ربه ، ولا ينشئ شيئاً من هذا من عنده .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (103)

{ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم ( 103 ) }

التفسير :

103 { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها . . . } الآية .

قيل : هي صدقة الفرض ، وقيل : هي صدقة مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها ؛ لأنهم بعد التوبة عليهم ، عرضوا أموالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك ؛ فتصدق بها وطهرنا ، فقال : ( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فنزلت ، فأخذ منها الثلث وترك لهم الثلثين .

وأكثر الفقهاء : على أن هذه الآية نص في فرضية الزكوات الواجبة ، أو إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء .

قال الجصاص في أحكام القرآن :

والصحيح أن هذه الآية في الزكوات المفروضة ؛ إذ لم يثبت أن هؤلاء القوم أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس ، سوى زكوات أموال ، وإذا لم يثبت بذلك خبر ، فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام والعبادات ، وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من سائر الناس ا ه . 138

والمعني : خذ أيها الرسول وكل حاكم مسلم بعدك من أموال هؤلاء التائبين ، ومن غيرهم ، صدقة مقدرة بمقدار معين ، تطهرهم بها من داء البخل والطمع ، وتزكي أنفسهم بها ، وتنمي بها حسناتهم .

قال الإمام ابن كثير :

أمر الله تعالى رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة ، يطهرهم ويزكيهم بها وهذا عام ، وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم ا ه .

وعند التأمل نجد أنه يمكن أن تكون الآية شاملة تشمل المعترفين بذنبهم ، وتشمل من تجب عليهم الزكاة .

والمعنى : خذ أيها الرسول من هؤلاء المعترفين بذنبهم ، ومن سائر من تجب عليهم الزكاة المفروضة ؛ صدقة معينة ، وهي مال معلوم من شخص معلوم تصرف في مصارف معلومة ، أي ما زاد عن النصاب ، من شخص معلوم هو مالك النصاب وما زاد عليه ، يصرف هذا المال إلى مصارف الزكاة من الفقراء والمساكين .

{ تطهرهم وتزكيهم بها } . أي : إن الزكاة أو الصدقة تطهر النفس من أدران الشح والبخل ، وتنمي الحسنات وترفع الدرجات ، وتسبب البركة والنماء في المال وفي النفس ؛ وفي الحديث الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة : ( ما نقصت صدقة من مال )139 .

{ وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم } . أي : ادع لهم واستغفر وترحم ، بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم . والصلاة من الله على عباده : الرحمة ، ومن ملائكته : الاستغفار ؛ ومن النبي والمؤمنين : الدعاء .

{ إن صلواتك سكن لهم } . أي : إن دعاءك تسكن له نفوسهم ؛ وتطمئن وتهدأ ؛ وتثق بأن الله قد قبل توبتها أو رفع درجتها ، وينبغي للإمام أو نائبه أن يدعو لكل من أحضر الزكاة أو الصدقة ، أو ساهم في خير أو منفعة للمسلمين ، أو للفقراء والمساكين ، قال تعالى : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } . ( الرحمان : 60 ) .

{ والله سميع عليم } . فهو سبحانه سميع لدعاء الرسول سماع قبول وإجابة ، وعليم بكل شيء في هذا الكون ، ومطلع على قلوب العباد عند توبتهم أو عند إحضارهم الزكاة ويجازيهم على إخلاصهم .