تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (54)

{ 54 ْ } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ْ }

يخبر تعالى أنه الغني عن العالمين ، وأنه من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا ، وإنما يضر نفسه . وأن لله عبادا مخلصين ، ورجالا صادقين ، قد تكفل الرحمن الرحيم بهدايتهم ، ووعد بالإتيان بهم ، وأنهم أكمل الخلق أوصافا ، وأقواهم نفوسا ، وأحسنهم أخلاقا ، أجلُّ صفاتهم أن الله { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ْ } فإن محبة الله للعبد هي أجل نعمة أنعم بها عليه ، وأفضل فضيلة ، تفضل الله بها عليه ، وإذا أحب الله عبدا يسر له الأسباب ، وهون عليه كل عسير ، ووفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات ، وأقبل بقلوب عباده إليه بالمحبة والوداد .

ومن لوازم محبة العبد لربه ، أنه لابد أن يتصف بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا ، في أقواله وأعماله وجميع أحواله ، كما قال تعالى : { قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ْ }

كما أن من لازم{[267]}  محبة الله للعبد ، أن يكثر العبد من التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله : " وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه ، ولا يزال [ عبدي ] يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه ، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه " .

ومن لوازم محبة الله معرفته تعالى ، والإكثار من ذكره ، فإن المحبة بدون معرفة بالله ناقصة جدا ، بل غير موجودة وإن وجدت دعواها ، ومن أحب الله أكثر من ذكره ، وإذا أحب الله عبدا قبل منه اليسير من العمل ، وغفر له الكثير من الزلل .

ومن صفاتهم أنهم { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ْ } فهم للمؤمنين أذلة من محبتهم لهم ، ونصحهم لهم ، ولينهم ورفقهم ورأفتهم ، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم ، وقرب الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين بالله ، المعاندين لآياته ، المكذبين لرسله - أعزة ، قد اجتمعت هممهم وعزائمهم على معاداتهم ، وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم ، قال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ْ } وقال تعالى : { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ْ } فالغلظة والشدة على أعداء الله مما يقرب العبد إلى الله ، ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم ، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن . فتجتمع الغلظة عليهم ، واللين في دعوتهم ، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم .

{ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ْ } بأموالهم وأنفسهم ، بأقوالهم وأفعالهم . { وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ْ } بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين ، وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم ، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة ، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين ، وتفتر قوته عند عذل العاذلين . وفي قلوبهم تعبد لغير الله ، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم على أمر الله ، فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله ، حتى لا يخاف في الله لومة لائم .

ولما مدحهم تعالى بما من به عليهم منَّ الصفات الجليلة والمناقب العالية ، المستلزمة لما لم يذكر من أفعال الخير -أخبر أن هذا من فضله عليهم وإحسانه لئلا يعجبوا بأنفسهم ، وليشكروا الذي مَنَّ عليهم بذلك ليزيدهم من فضله ، وليعلم غيرُهم أن فضل الله تعالى ليس عليه حجاب ، فقال : { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ْ } أي : واسع الفضل والإحسان ، جزيل المنن ، قد عمت رحمته كل شيء ، ويوسع على أوليائه من فضله ، ما لا يكون لغيرهم ، ولكنه عليم بمن يستحق الفضل فيعطيه ، فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلا وفرعا .


[267]:- في ب: لوازم
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (54)

قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكفرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ( 54 ) إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون ( 55 ) ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون } .

نزلت هذه الآية في أهل الردة . وهذا من إعجاز القرآن ، إذ أخبر عن ارتداد العرب عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم . فكان ما أخبره به الله في قرآنه قبل وقوعه . فقد ورد في السيرة عن ابن إسحق قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين . فكانت عائشة ، فيما بلغني تقول : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم ، حتى جمعهم الله على أبي بكر . وفيما ذكر أيضا أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الإسلام حتى خافهم عتاب بن أسيد ( والي مكة حينئذ ) فتوارى . فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة ، فمن رابنا ضربنا عنقه . فتراجع الناس وكفوا عما هموا به ، وظهر عتاب بن أسيد . فهذا المقام الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب : إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه{[1006]} .

يتبين من مثل هذه القصة وغيرها من الأشباه والنظائر أن هذا القرآن معجز وأنه من عند الله وأن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه ليكون للناس بشيرا ونذيرا .

قوله : { من يرتد منكم عن دينه } أصل يرتد يرتدد : بدالين . ويرتد بدال واحدة مشددة للإدغام .

وتأويل الآية يحتمل وجهين :

الأول : وهو تحذير المؤمنين من تولي المشركين ومناصرتهم في محاربة المسلمين .

فإن موالاة الكافرين ومعاضدتهم وذل العون والنصرة لهم لحرب المسلمين ليس إلا الردة التي ينسلخ بها المنافق من ربقة الإسلام ليكون في عداد الكافرين الذين تحل دماؤهم ، وليعلم هؤلاء أن الله سيأتي بأقوام آخرين ينصرون دينه .

الوجه الثاني : الكشف عن علم الله بأن قوما من المسلين سيرجعون عن الإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم الله أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه ، وعلى هذا الوجه فإن الآية إخبار عن غيب مستور ، وقد وقع ما أخبرت الآية به . وذلك وجه من وجوه الإعجاز في الكتاب الحكيم . وهذا مقتضى قوله تعالى : { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } ومحبة الله لعباده المؤمنين إنما هي على الكيفية والمعنى اللذين أرادهما الله . ومن ظواهر محبة الله للعباد أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويجزيهم بفيض الرضا والثناء . وأما محبة العباد لربهم فهو أن تميل قلوبهم ومشاعرهم إلى الله بما يشير إلى كامل التوجه إليه وصادق الإخلاص له وحده جل شأنه . وهو ما يقتضي منهم طاعة ربهم وابتغاء رضوانه ومجانبة زواجره ونواهيه .

قوله : { أذلة على المؤمنين } أذلة صفة لقوم . وهو جمع ذليل وليس ذلولا فجمعه ذلل . وليس المراد من كونهم أذلة أنهم مهانون يجدون في أنفسهم استخذاء وزراية . بل إن المراد المبالغة في وصفهم بالرفق والهوادة ولين الجانب . وذلك هو خلق المسلمين الحقيقيين فيما بينهم . فهم لا جرم أخوة متوادون متراحمون يعامل بعضهم بعضا بالتسامح والرأفة وفي غاية التواضع والرحمة .

قوله : { أعزة على الكفرين } أي أشداء في مواجهتهم متغلبون عليهم . من قوله عزّه أي غلبه . والمسلمون في ذلك يجدون في أنفسهم الإحساس بالعزة والاستعلاء لما تحفل به أذهانهم وتصوراتهم من مطلق القناعة الكاملة بروعة الإسلام وكماله وصلوحه . فهم بذلك على الحق ويدعون الناس إلى الحق .

قوله : { يجاهدون في سبيل الله } وذلك بكل أساليب الجهاد سواء بالكلمة الحانية المثلى أو المجادلة المؤثرة النافذة إلى القلوب والعقول ، أو القتال إذا لم تجد أسباب الهداية والمنطق والرفق . وذلك كله من أجل إعلاء كلمة الله وإحقاق الحق ليشيع في الآفاق وكيما تترسخ في الدنيا قواعد العدل والأمن والرحمة .

قوله : { ولا يخافون لومة لائم } الواو للعطف . أي أن المؤمنين الصادقين من شأنهم أنهم مجاهدون ابتغاء رضوان الله وأنهم أقوياء صلاب في الحق وفي الدعوة إلى الله مجاهرين عن ثقة ويقين بالإعلان عن دين الإسلام من غير أن يثنيهم عن ذلك خوف أو وجل ، أو تصدهم عنه لومة اللائمين على اختلاف مراتبهم ومسمياتهم . إن الدعاة إلى الإسلام لا يعبأون بكل هاتيك العراقيل التي ينصبها المعوقون والمبطلون والظالمون في طريق الإسلام . فهم ماضون على طريق الله داعين إليه على بصيرة مهما تفاقمت النوائب والخطوب حتى يحكم الله بأمره بين الناس وهو خير الحاكمين .

قوله : { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } اسم الإشارة هنا إلى ما تقدم ذكره من أوصاف المؤمنين بالتواد والتراحم فيما بينهم ، والعزة على الظالمين ، والمجاهدة لإعلاء كلمة الله ، وعدم الخشية من لومة اللائمين ، فإن ذلك كله حاصل للمؤمنين بفضل من الله وإحسان . والله جلت قدرته { واسع } أي كثير الفضل ، جواد . وهو كذلك { عليم } أي كامل العلم لا يخفى عليه شيء في الكون ، فلا يقع في إخباره ومواعيده خلف أو هو عليم بمصالح العباد{[1007]} .

وثمة مسألة عن المراد بالقوم الذين سيأتي بهم الله ، والذين يحبهم الله وهم يحبونه فقد قيل : إنهم أبو بكر وأصحابه الأبرار ، لأنهم هم الذين قاتلوا المرتدين فكسروا شوكتهم وأخضعوهم لسلطان الله وشرعه . وهو قول علي وآخرين من أهل العلم . وقيل : نزلت الآية في الأنصار ، لأنهم هم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوه على إظهار الإسلام . وقيل : نزلت في أهل اليمن . ففي الحديث المرفوع أنه لما نزلت هذه الآية أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري وقال : " هم قوم هذا " وقيل : غير ذلك .

أما ما تحذلقت به حناجر الروافض من أن الذين أقروا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كافرون مرتدون ، فإنه ضرب من الهذيان الأرعن الذي لا يستحق غير الاستهجان والاستقباح والازدراء ، فهو تخريص باطل ومكذوب وفي غاية التهافت الفاجر والإسفاف الظلوم .

ومن الحق واليقين أن كلا من الخلفاء الراشدين الأربعة موضع ثقة وائتمان خالصين . وأن إمامتهم موضع احترام واعتبار وتقدير لدى كل المسلمين في سائر الأزمان . أما استدلال الروافض بهذه الآية على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي ابن أبي طالب وأن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا خاطئين لمخالفتهم مدلول هذه الآية وبانتزاعهم الإمامة من علي مع التشنيع عليهم بفاحش القول ، ومهين الشتائم ، فذلك محض فسق وافتراء وإيغال شنيع في الجهالة . بل إنه بهتان من القول تتقزز منه مشاعر المؤمنين الصادقين وفي طليعتهم على بن أبي طالب كرم الله وجهه ، فقد كان من أعلم الناس بتأويل الكتاب الحكيم وهو أعلم من هؤلاء الروافض بذلك قطعا فلو كانت الآية دالة على إمامته هو دون غيره لاحتج بها ولو مرة واحدة .


[1006]:- سيرة ابن هشام ج 4 ص 316.
[1007]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 219- 221 وروح المعاني ج 6 ص 162- 164 وتفسير الرازي ج 12 ص 21- 26.