تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ} (44)

و { قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ } أي أحلام لا حاصل لها ، ولا لها تأويل .

وهذا جزم منهم بما لا يعلمون ، وتعذر منهم ، [ بما ليس بعذر ]{[443]}  ثم قالوا : { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ } أي : لا نعبر إلا الرؤيا ، وأما الأحلام التي هي من الشيطان ، أو من حديث النفس ، فإنا لا نعبره

فجمعوا بين الجهل والجزم ، بأنها أضغات أحلام ، والإعجاب بالنفس ، بحيث إنهم لم يقولوا : لا نعلم تأويلها ، وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا ، وهذا أيضا من لطف الله بيوسف عليه السلام . فإنه لو عبرها ابتداء - قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم ، فيعجزوا عنها -لم يكن لها ذلك الموقع ، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب ، وكان الملك مهتما لها غاية ، فعبرها يوسف- وقعت عندهم موقعا عظيما ، وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم ، بعد أن سألهم فلم يعلموا . ثم سأل آدم ، فعلمهم أسماء كل شيء ، فحصل بذلك زيادة فضله ، وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة ، أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا بآدم ، ثم بنوح ، ثم إبراهيم ، ثم موسى ، ثم عيسى عليهم السلام ، فيعتذرون عنها ، ثم يأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول : " أنا لها أنا لها " فيشفع في جميع الخلق ، وينال ذلك المقام المحمود ، الذي يغبطه به الأولون والآخرون .

فسبحان من خفيت ألطافه ، ودقَّت في إيصاله البر والإحسان ، إلى خواص أصفيائه وأوليائه .


[443]:- زيادة من هامش: ب.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ} (44)

فكأنه{[41596]} قيل : فما قالوا ؟ فقيل : { قالوا } هذه الرؤيا { أضغاث } أي أخلاط ، جمع ضغث - بكسر الضاد وإسكان الغين المعجمة ، وهو قبضه حشيش مختلطة الرطب باليابس { أحلام } مختلفة مختلطة مشتبهة ، جمع حلم - بضم الحاء وإسكان اللام وضمه ، وهو الرؤيا - فقيدوها بالأضغاث ، وهو ما يكون من الرؤيا باطلاً - لكونه من حديث النفس أو وسوسة الشيطان ، لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها{[41597]} ، لأن الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة ، وتارة تكون من تحريف{[41598]} الشيطان وتخليطاته ، وتارة من حديث النفس ؛ ثم{[41599]} قالوا : { وما نحن } أي بأجمعنا { بتأويل } أي ترجيع { الأحلام } أي مطلق الأضغاث وغيرها ، وأعرقوا في النفي بقولهم : { بعالمين * } فدلسوا{[41600]} من غير وجه ، جمعوا - وهي حلم واحد - ليجعلوها أضغاثاً لا مدلول لها ، ونفوا عن أنفسهم " العلم المطلق " المستلزم لنفي " العلم بالمقيد {[41601]} " بعد أن أتوا بالكلام على هذه الصورة ، ليوهموا أنهم ما جهلوها{[41602]} إلا لكونها أضغاثاً - والله أعلم ؛ والقول : كلام متضمن بالحكاية في البيان عنه ، فإذا ذكر أنه قال ، اقتضى الحكاية لما قال ، وإذا ذكر أنه تكلم ، لم يقتض حكاية لما تكلم به ، ومادة " حلم " بجميع تقاليبها تدور على صرف الشيء عن وجهه وعادته وما تقتضيه الجبلة - كما يأتي في الرعد في قوله :{ شديد المحال{[41603]} }[ الرعد :13 ] .


[41596]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: كأنه.
[41597]:في ظ: بينهما.
[41598]:في الأصول: تخريف- كذا.
[41599]:زيد من م ومد.
[41600]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: فدلوا.
[41601]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: بالقيد.
[41602]:في ظ: جعلوها.
[41603]:آية 13.