تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ} (85)

أي : ما خلقناهما عبثا وباطلا كما يظن ذلك أعداء الله ، بل ما خلقناهما { إِلَّا بِالْحَقِّ } الذي منه أن يكونا بما فيهما دالتين على كمال خالقهما ، واقتداره ، وسعة رحمته وحكمته ، وعلمه المحيط ، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له ، { وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ } لا ريب فيها لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } وهو الصفح الذي لا أذية فيه بل يقابل إساءة المسيء بالإحسان ، وذنبه بالغفران ، لتنال من ربك جزيل الأجر والثواب ، فإن كل ما هو آت فهو قريب ، وقد ظهر لي معنى أحسن مما ذكرت هنا .

وهو : أن المأمور به هو الصفح الجميل أي : الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية ، دون الصفح الذي ليس بجميل ، وهو الصفح في غير محله ، فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة ، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة ، وهذا هو المعنى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ} (85)

قوله تعالى : " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق " أي للزوال والفناء . وقيل : أي لأجازي المحسن والمسيء ، كما قال : " ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزى الذين أساؤوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى{[9740]} " [ النجم : 31 ] . " وإن الساعة لآتية " أي لكائنة فيجزى كل بعمله . " فاصفح الصفح الجميل " مثل " واهجرهم هجرا جميلا{[9741]} " [ المزمل : 10 ] أي تجاوز عنهم يا محمد ، واعفو عفوا حسنا ، ثم نسخ بالسيف . قال قتادة : نسخه قوله : " فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم{[9742]} " [ النساء : 91 ] . وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( لقد جئتكم بالذبح وبعثت بالحصاد{[9743]} ولم أبعث بالزراعة ) ، قاله عكرمة ومجاهد . وقيل : ليس بمنسوخ ، وأنه أمر بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم . والصفح : الإعراض ، عن الحسن وغيره .


[9740]:راجع ج 17 ص 105.
[9741]:راجع ج 19 ص 44.
[9742]:راجع ج 5 ص 310.
[9743]:كذا في الأصول وتفسير الطبري. وفي كتاب الجامع الصغير: "بالجهاد".
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ} (85)

قوله تعالى : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ( 85 ) إن ربك هو الخلاق العليم ( 86 ) } ما خلق الله هذه الخلائق الكاثرة المبثوثة كالسموات والأرض وما فيهن وما بينهن من كائنات وأجرام عجاب ( إلا بالحق ) أي إلا بالعدل وما يقتضيه ذلك من فوائد ومنافع وحكمة . ولم يخلق ذلك بالباطل أو العبث . والله جل جلاله من صفاته العدل ؛ فإنه لم يظلم أحدا البتة وما يقضي في حكمه إلا بالحق والإنصاف وليس بالباطل والجور . وكذلك فإنه خلق السماوات والأرض وما حوته من أشياء بالعدل .

قوله : ( وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ) القيامة جائية لا محالة ؛ بل إن القيامة لهي الخبر اليقين المقطوع الذي يدهم الكون بهوله وفظائعه ، وحينئذ ينتقم الله من الظالمين الخاسرين الذين كذبوك يا محمد وأعرضوا عنك إعراضا . وما عليك إلا أن تعرض عنهم بإحسان ، وتعفو عنهم العفو الرفيق الحسن . وقيل : إن ذلك منسوخ بآيات القتال .