قال تعالى لرسوله ومن قام مقامه ، آمرا له بما يطهر المؤمنين ، ويتمم إيمانهم : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } وهي الزكاة المفروضة ، { تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } أي : تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة .
{ وَتُزَكِّيهِمْ } أي : تنميهم ، وتزيد في أخلاقهم الحسنة ، وأعمالهم الصالحة ، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي ، وتنمي أموالهم .
{ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } أي : ادع لهم ، أي : للمؤمنين عموما وخصوصا عندما يدفعون إليك زكاة أموالهم .
{ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } أي : طمأنينة لقلوبهم ، واستبشار لهم ، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ } لدعائك ، سمع إجابة وقبول .
{ عَلِيمٌ } بأحوال العباد ونياتهم ، فيجازي كل عامل بعمله ، وعلى قدر نيته ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتثل لأمر اللّه ، ويأمرهم بالصدقة ، ويبعث عماله لجبايتها ، فإذا أتاه أحد بصدقته دعا له وبرَّك .
ففي هذه الآية ، دلالة على وجوب الزكاة ، في جميع الأموال ، وهذا إذا كانت للتجارة ظاهرة ، فإنها أموال تنمى ويكتسب بها ، فمن العدل أن يواسى منها الفقراء ، بأداء ما أوجب اللّه فيها من الزكاة .
وما عدا أموال التجارة ، فإن كان المال ينمى ، كالحبوب ، والثمار ، والماشية المتخذة للنماء والدر والنسل ، فإنها تجب فيها الزكاة ، وإلا لم تجب فيها ، لأنها إذا كانت للقنية ، لم تكن بمنزلة الأموال التي يتخذها الإنسان في العادة ، مالا يتمول ، ويطلب منه المقاصد المالية ، وإنما صرف عن المالية بالقنية ونحوها .
وفيها : أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله ، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها ، لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها .
وفيها : استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة ، وأن ذلك ينبغي ، أن يكون جهرا ، بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه .
ويؤخذ من المعنى ، أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللين ، والدعاء له ، ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة ، وسكون لقلبه . وأنه ينبغي تنشيط من أنفق نفقة وعمل عملا صالحا بالدعاء له والثناء ، ونحو ذلك .
الأولى - قوله تعالى : " خذ من أموالهم صدقة " اختلف في هذه الصدقة المأمور بها ؛ فقيل : هي صدقة الفرض ، قاله جويبر عن ابن عباس ، وهو قول عكرمة فيما ذكر القشيري . وقيل : هو مخصوص بمن نزلت فيه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم ، وليس هذا من الزكاة المفروضة في شيء ؛ ولهذا قال مالك : إذا تصدق الرجل بجميع ماله أجزأه إخراج الثلث ، متمسكا بحديث أبي لبابة . وعلى القول الأول فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي بظاهره اقتصاره عليه فلا يأخذ الصدقة سواه ، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه وزوالها بموته . وبهذا تعلق مانعو الزكاة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه{[8249]} وقالوا : إنه كان يعطينا عوضا منها التطهير والتزكية والصلاة علينا وقد عدمناها من غيره . ونظم في ذلك شاعرهم فقال :
أطعنا رسول الله ما كان بيننا*** فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر
وإن الذي سألوكم فمنعتم*** لكالتمر أو أحلى لديهم من التمر
سنمنعهم ما دام فينا بقية*** كرامٌ على الضَّراء في العسر واليسر
وهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة ، وفي حقهم قال أبو بكر :( والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ) . ابن العربي : أما قولهم إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين ، فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا ولكن اختلفت موارده على وجوه ، فمنها خطاب توجه إلى جميع الأمة كقوله : " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة{[8250]} " [ المائدة : 6 ] وقوله : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام{[8251]} " [ البقرة : 183 ] ونحوه . ومنها خطاب خص به ولم يشركه فيه غيره لفظا ولا معنى كقوله : " ومن الليل فتهجد به نافلة لك{[8252]} " [ الإسراء : 79 ] وقوله : " خالصة لك " [ الأحزاب : 50 ] . ومنها خطاب خص به لفظا وشركه جميع الأمة معنى وفعلا ؛ كقوله " أقم الصلاة لدلوك الشمس{[8253]} " [ الإسراء : 78 ] الآية . وقوله : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله{[8254]} " [ النحل : 98 ] وقوله : " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة{[8255]} " [ النساء : 102 ] فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة . وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة . وكذلك كل{[8256]} من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة . ومن هذا القبيل قوله تعالى : " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " . وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى : " يا أيها النبي اتق الله{[8257]} " [ الأحزاب : 1 ] و " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء{[8258]} " [ الطلاق : 1 ] .
الثانية - قوله تعالى : " من أموالهم " ذهب بعض العرب وهم دوس : إلى أن المال الثياب والمتاع والعروض . ولا تسمي العين مالا . وقد جاء هذا المعنى في السنة من رواية مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الأموال الثياب والمتاع . الحديث . وذهب غيرهم إلى أن المال الصامت من الذهب والورق . وقيل : الإبل خاصة ، ومنه قولهم : المال الإبل . وقيل : جميع الماشية . وذكر ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى ثعلب{[8259]} النحوي قال : ما قصر عن بلوغ ما تجب فيه الزكاة من الذهب والورق فليس بمال ؛ وأنشد :
والله ما بلغت لي قط ماشية*** حد الزكاة ولا إبل ولا مال
قال أبو عمر : والمعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك هو مال ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( يقول ابن آدم مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنى أو لبس فأبلي أو تصدق فأمضي ) . وقال أبو قتادة : فأعطاني الدرع فابتعت به مخرفا{[8260]} في بني سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته{[8261]} في الإسلام . فمن حلف بصدقة ماله كله فذلك على كل نوع من ماله ، سواء كان مما تجب فيه الزكاة أو لم يكن ، إلا أن ينوي شيئا بعينه فيكون على ما نواه . وقد قيل : إن ذلك على أموال الزكاة . والعلم محيط واللسان شاهد بأن ما تملك يسمى مالا . والله أعلم .
الثالثة - قوله تعالى : " خذ من أموالهم صدقة " مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ والمأخوذ منه ، ولا تبيين مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه . وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع . حسب ما نذكره فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال . وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة في المواشي والحبوب والعين ، وهذا ما لا خلاف فيه . واختلفوا فيما سوى ذلك كالخيل وسائر العروض . وسيأتي ذكر الخيل{[8262]} والعسل{[8263]} في " النحل " إن شاء الله . روى الأئمة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ) . وقد مضى الكلام في " الأنعام{[8264]} " في زكاة الحبوب وما تنبته الأرض مستوفى . وفي المعادن في " البقرة{[8265]} " وفي الحلي في هذه السورة . وأجمع العلماء على أن الأوقية أربعون درهما ، فإذا ملك الحر المسلم مائتي درهم من فضة مضروبة - وهي الخمس أواق المنصوصة في الحديث - حولا كاملا فقد وجبت عليه صدقتها ، وذلك ربع عشرها خمسة دراهم . وإنما اشترط الحول لقوله عليه السلام : ( ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ) . أخرجه الترمذي . وما زاد على المائتي درهم من الورق فبحساب ذلك من كل شيء منه ربع عشره قل أو كثر ، هذا قول مالك والليث والشافعي وأكثر أصحاب أبي حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق وأبي عبيد . وروي ذلك عن علي وابن عمر . وقالت طائفة : لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما ، فإذا بلغتها كان فيها درهم وذلك ربع عشرها . هذا قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والزهري ومكحول وعمرو بن دينار وأبي حنيفة .
الرابعة - وأما زكاة الذهب فالجمهور من العلماء على أن الذهب إذا كان عشرين دينارا قيمتها مائتا درهم فما زاد أن الزكاة فيها واجبة ، على حديث علي ، أخرجه الترمذي عن ضمرة والحارث عن علي . قال الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق ، يحتمل أن يكون عنهما جميعا . وقال الباجي في المنتقى : وهذا الحديث ليس إسناده هناك ، غير أن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة حكمه ، والله أعلم . وروي عن الحسن والثوري ، وإليه مال بعض أصحاب داود بن علي على أن الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ أربعين دينارا . وهذا يرده حديث علي وحديث ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار ، ومن الأربعين دينارا دينارا ، على هذا جماعة أهل العلم إلا من ذكر .
الخامسة - اتفقت الأمة على أن ما كان دون خمس ذَود من الإبل فلا زكاة فيه . فإذا بلغت خمسا ففيها شاة . والشاة تقع على واحدة من الغنم ، والغنم الضأن والمعز جميعا . وهذا أيضا اتفاق من العلماء أنه ليس في خمس إلا شاة واحدة ، وهي فريضتها . وصدقة المواشي مبينة في الكتاب الذي كتبه الصديق لأنس لما وجهه إلى البحرين ، أخرجه البخاري وأبو داود والدارقطني والنسائي وابن ماجة وغيرهم ، وكله متفق عليه . والخلاف فيه في موضعين أحدهما في زكاة الإبل ، وهي إذا بلغت إحدى وعشرين ومائة فقال مالك : المصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون ، وإن شاء أخذ حقتين{[8266]} . وقال ابن القاسم : وقال ابن شهاب : فيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون . قال ابن القاسم : ورأيي على قول ابن شهاب . وذكر ابن حبيب أن عبدالعزيز بن أبي سلمة وعبدالعزيز بن ابن حازم وابن دينار يقولون بقول مالك . وأما الموضع الثاني فهو في صدقة الغنم ، وهي إذا زادت على ثلاثمائة شاة وشاة ، فإن الحسن بن صالح بن حي قال : فيها أربع شياه . وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه ، وهكذا كلما زادت ، في كل مائة شاة . وروي عن إبراهيم النخعي مثله . وقال الجمهور : في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه ، ثم لا شيء فيها إلى أربعمائة فيكون فيها أربع شياه ، ثم كلما زادت مائة ففيها شاة ، إجماعا واتفاقا . قال ابن عبدالبر : وهذه مسألة وهم فيها ابن المنذر ، وحكى فيها عن العلماء الخطأ ، وخلط وأكثر الغلط .
السادسة - لم يذكر البخاري ولا مسلم في صحيحهما تفصيل زكاة البقر . وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني ومالك في موطئه وهي مرسلة ومقطوعة وموقوفة . قال أبو عمر : وقد رواه قوم عن طاوس عن معاذ ، إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه . وممن أسنده بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس . وقد اختلفوا فيما ينفرد به بقية عن الثقات . ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم كما رواه بقية عن المسعودي عن الحكم ، والحسن مجتمع على ضعفه . وقد روي هذا الخبر بإسناد متصل صحيح ثابت من غير رواية طاوس ؛ ذكره عبدالرزاق قال : أخبرنا معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة{[8267]} ، ومن أربعين مسنة ، ومن كل حالم دينارا{[8268]} أو عدله معافر{[8269]} ، ذكره الدارقطني وأبو عيسى الترمذي وصححه . قال أبو عمر : ولا خلاف بين العلماء أن الزكاة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما قال معاذ بن جبل : في ثلاثين بقرة تبيع ، وفي أربعين مسنة إلا شيء روي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة ، فإنهم يوجبون في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين . فهذه جملة من تفصيل الزكاة بأصولها وفروعها في كتب الفقه . ويأتي ذكر الخلطة في سورة [ ص{[8270]} ] إن شاء الله تعالى .
السابعة - قوله تعالى : " صدقة " مأخوذ من الصدق ؛ إذ هي دليل على صحة إيمانه ، وصدق باطنه مع ظاهره ، وأنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات . " تطهرهم وتزكيهم بها " حالين للمخاطب . التقدير : خذها مطهرا لهم ومزكيا لهم بها . ويجوز أن يجعلهما صفتين للصدقة ، أي صدقة مطهرة لهم مزكية ، ويكون فاعل تزكيهم المخاطب ، ويعود الضمير الذي في " بها " على الموصوف المنكر . وحكى النحاس ومكي أن " تطهرهم " من صفة الصدقة " وتزكيهم بها " حال من الضمير في " خذ " وهو النبي صلى الله عليه وسلم . ويحتمل أن تكون حالا من الصدقة ، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة . وقال الزجاج : والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي فإنك تطهرهم وتزكيهم بها ، على القطع والاستئناف . ويجوز الجزم على جواب الأمر ، والمعنى : إن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ، ومنه قول امرئ القيس :
وقرأ الحسن تطهرهم " بسكون الطاء " وهو منقول بالهمزة من طهر وأطهرته ، مثل ظهر وأظهرته .
الثامنة - قوله تعالى : " وصل عليهم " أصلٌ في فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة . روى مسلم عن عبدالله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : ( اللهم صل عليهم ) فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته فقال : ( اللهم صل على آل أبي أوفى ) . ذهب قوم إلى هذا ، وذهب آخرون إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى : " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " [ التوبة : 84 ] . قالوا : فلا يجوز أن يُصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده خاصة ؛ لأنه خص بذلك . واستدلوا بقوله تعالى : " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا{[8271]} " [ النور : 63 ] الآية . وبأن عبدالله بن عباس كان يقول : لا يُصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم . والأول أصح ، فإن الخطاب ليس مقصورا عليه كما تقدم ، ويأتي في الآية بعد هذا . فيجب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتأسي به ؛ لأنه كان يمتثل قوله : " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم " أي إذا دعوت لهم حين يأتون بصدقاتهم سكن ذلك قلوبهم وفرحوا به . وقد روى جابر بن عبدالله قال : أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لامرأتي : لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، فقالت : يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندنا ولا نسأله شيئا ! فقالت : يا رسول الله ، صل على زوجي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلى الله عليك وعلى زوجك ) . والصلاة هنا الرحمة والترحم . قال النحاس : وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء ، ومنه الصلاة على الجنائز . وقرأ حفص وحمزة والكسائي : " إن صلاتك " بالتوحيد . وجمع الباقون . وكذلك الاختلاف في " أصلاتك تأمرك{[8272]} " [ هود : 87 ] وقرئ " سكن " بسكون الكاف . قال قتادة : معناه وقار لهم . والسكن : ما تسكن به النفوس وتطمئن به القلوب .
قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم 103 ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم } .
اختلف العلماء في هذه الصدقة التي أمر الله بها في الآية . فقد قيل : المراد بها صدقة الفرض ( الزكاة ) وهو قول ابن عباس وجماعة . وقيل : إنها مخصوصة بهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم ، الذين خلطوا عملا صالحا وآخر شيئا وهم أبو لبابة وأصحابه حين أطقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله هذه أمولنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا . فقال لهم : ( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فأنزل الله { خذ من أموالهم صدقة } الآية . والصحيح أن هذا النص عام فهو يفيد بعمومه وجوب الصدقة في أموال المسلمين . ولا ينبغي لأحد أن يحتج بان هذا النص إنما كان خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو وحده المخاطب به . وقد ورد عليهم الصدقة وسائر الصحابة هذا التأويل الفاسد فقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة مثلما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي ذلك قال الصديق ( رضي الله عنه ) : والله لو منعوني عناقا{[1886]} –وفي رواية : عقالا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقتلنهم على منعه .
على أن الأمر بأخذ الصدقة في هذه الآية نطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ ولا المأخوذ منه . ولا هو مقيد ببيان مقدار المأخوذ منه ؛ فإن بيان ذلك كله في السنة المطهرة وإجماع العلماء . وذلكم هو بيان وجيز ومقتضب لمسائل الزكاة .
وأول الكلام في ذلك أن الزكاة إنما تجب على كل مسلم حر مالك للنصاب ملكا تاما . واختلفوا في وجوبها على الصغير والمجنون ؛ فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى وجوبها عليهما ، وهو قول علي ابن عمر وجابر وعائشة من الصحابة . وقالت به المالكية والشافعية والحنبلية ، وقال به الثوري وإسحق وأبو ثور وغيرهم . وذهب آخرون إلى عدم وجوبها عليهم ، وهو قول النخعي والحسن وسعيد بن جبير من التابعين .
وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة على الصغار والمجانين أو عدن إيجابها : هو اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية ، هل هي عبادة كالصلاة والصيام ، أم هي حق واجب للفقراء على الأغنياء . فمن قال : إنها عبادة ؛ اشترط فيها العقل والبلوغ . ومن قال إنها حق واجب للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء ؛ لم يشترط العقل والبلوغ .
وثمة شرط آخر لوجوب الزكاة وهو حولان الحول فيما بلغ النصاب من الأموال باستثناء ما تنبته الأرض ؛ فإنه تؤدي زكاته عند حصاده إذا بلغ النصاب ، على الخلاف في ذلك . وذلك للخبر الذي أخرجه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ) .
أما ما تجب فيه الزكاة من الأموال فهي خمسة أصناف وهي : النقدان ( الذهب والفضة ) ثم الزروع والثمار مما تنبته الأرض ، ثم السوائم من الأنعام ، ثم عروض التجارة ، ثم المعدن والركاز .
أما الذهب : فتجب فيه الزكاة إذا بلغ نصابا وهو عشرون مثقالا ، ففيه نصف دينار ، وكذلك الفضة فيها الزكاة إذا بلغت نصابا وهو مائتا درهم ، ففيه خمسة دراهم .
وتختلفوا في الحلي من الذهب إذا أريد للزينة واللباس فقط ، فليس فيه زكاة في قول المالكية والشافعية ، وهو قو الليث وآخرين ؛ وذلك لما رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس في الحلي زكاة ) ؛ ولأنه معد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة كالعوامل من الإبل والبقر{[1887]} وذلك بخلاف الحنفية ؛ إذ قالوا بوجوب الزكاة في الحلي . واحتجوا بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأت أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها ، وفي يد ابنتها مسك من ذهب ، فقال : ( أتؤدين زكاة هذا ؟ ) قالت : لا . قال : ( أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوراين من نار ؟ ) . فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقالت : هما لله ولرسوله .
أما ما تخرجه الأرض من الزروع والتمر : ففيه الزكاة ، ويشترط لوجوبها فيه : أن يكون مما يقتات به وقابلا للادخار . وهو قول المالكية والشافعية ؛ إذ اشترط الاقتيات والادخار . وكذلك يشترط النصاب لوجوب الزكاة في الزروع والثمرات ، ونصابها خمسة أوسق . وذلك لما رواه أبو سعيد الخدري ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة ) . أما الحنفية فقالوا : ليس فيما تخرجه الأرض نصاب . بل تجب الزكاة في كل ما أخرجته ارض ما قل منه أو أكثر ، باستثناء الحطب والحشيش . واحتجوا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام : ( فيما سقت السماء العشر ، وفيما سقي بالنضح نصف العشر ) وعلى هذا فإنه في قول الحنفية تجب الزكاة في كل ما أنبتته الأرض من غير تفريق بين مقتات وغيره ، وسواء كان الخارج قليلا أو كثيرا ، استنادا إلى عموم الحديث .
أما المقدار الذي يجب أداؤه زكاة للزروع : فإنها يتحدد تبعا لكيفية السقاية ، فإن سقي الزروع بماء المطر أو من ينابيع الأرض ؛ ففيه العشر . وإن سقي بالنضح من الآبار ونحوهما مما يكلف مؤونة وجهدا ؛ ففيه نصف العشر .
أما سوائم الأنعام : فهي الإبل والبقر والغنم . أما الإبل : فنصابها خمس ، وفيها شاة . فإذا بلغت خمسا وعشرين ؛ ففيها ابنة مخاض إلى خمسون وثلاثين . فإذا بلغت ستا وثلاثين ؛ ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين . فإذا بلغت سنا وأربيعن ؛ ففيها حقة إلى ستين . فإذا كانت واحدا وستين ؛ ففيهما جذعة إلى خمس وسبعين ، فإذا بلغت ستا وسبعين ؛ ففيها ابنتا لبون إلى تسعين . فإذا بلغت واحدا وتسعين ؛ ففيها حقتان إلى عشرين ومائة . وأصل ذلك كتاب الصدقة الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به بعده أبو بكر وعمر .
أما البقر : فنصابها ثلاثون ، وفيها تبيع ، فإذا بلغت أربعين ؛ ففيها مسنة ، فإذا بلغت ستين ؛ ففيها تبيعان ، إلى سبعين ؛ ففيها مسنة وتبيع . فإذا بلغت ثمانين ؛ ففيها مسنتان . فإذا بلغت تسعين ؛ ففيها ثلاثة أتبعة . فإذا بلغت مائة ؛ ففيها تبيعان ومسنة وهكذا .
أما الغنم : فنصابها أربعون شاة . فإذا بلغت أربعين ؛ ففيها شاة/ حتى تبلغ مائة وعشرين ، فإن زادت على المائة والعشرين ؛ ففيها شاتان إلى مائتان . فإن زادت على المائتين ؛ ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة . فإن زادت على الثلاثمائة ؛ ففي كل مائة شاة شاة . وهذا هو قول الجمهور .
أنا عروض التجارة : فنصابها هو النصاب في الأعيان{[1888]} وعي الذهب والفضة وذلك عند الذين قالوا بوجوب الزكاة في العروض . ويشترط في أموال التجارة لتجب فيها الزكاة ما يشترط في الذهب والفضة من بلوغ النصاب وحولان الحول .
أما المعدن والركاز : فالمعدن في اللغة موضع الإقامة واللزوم . يقال : عدن بالمكان إذا لزمه فلم يبرح . ومنه : جنات عدن ؛ أي جنات إقامة . وهو موضع استخراج الجوهر من ذهب ونحوه{[1889]} .
أما زكاة المعدن : ففيها خلاف من حيث التفضيل . فإذا استخرج مسلم حر من معدن في أرض موات أو في رض يملكها ، نصابا من الذهب أو الفضة ؛ فقد وجب عليه الزكاة . ودليل ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال من الحارث المزني المعادن القبلية ، وأخذ منه الزكاة . أما إن وجده في أرض مملوكة لغيره ؛ فهو لصاحب الأرض ، ويجب دفعه إليه فإذا أخذه مالكه وجب عليه زكاته . وإن وجد دون النصاب لم تلزمه الزكاة ؛ لأن المعدن من أموال الزكاة ؛ فلا تجب في غير النصاب ؛ ولأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاعتبر فيه النصاب كالعشر . وهو قول الشافعية والمالكية وآخرين .
أما الحول في زكاة المعدن ، فغير معتبر عند المالكية ، وكذا الشافعية في أظهر القولين لهم ؛ لأن الحول يراد لتكامل النماء . وبوجود المعدن يحصل النماء فلم يعتبر فيه الحول كالشعر . وذهب آخرون إلى اعتبار الحور ؛ لأنه زكاة في مال تكرر فيه الزكاة فاعتبر فيها الحول كسائر الزكوات .
أما الركاز : فهو دفين أهل الجاهلية . كأنه ركز في الأرض ركزا . ركز الرمح : أي غرزه في الأرض{[1890]} .
ويجب في الركاز الخمس . وذلك لما روي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وفي الركاز الخمس ) ؛ ولأنه يصل إليه من غير تعب ولا مؤنة فاحتمل الخمس ، ولا يجب ذلك إلا على من تجب عليه الزكاة ؛ لأنه مال زكوي . ولا تجب إلا فيما وجده في موات أو مملوك لا يعرف مالكه ؛ لأن الموت لا مالك له ، وما لا يعرف مالكه بمنزلة ما لا مالك له . أما إذا وجده في أرض يعرفها مالكها ، فإن كان ذلك لحربي ؛ فهو غنيمة . وإن كان لمسلم أو لمعاهد ؛ فهو لمالك الأرض{[1891]} .
أما التفصيل بأكثر من ذلك في مسألة الزكاة ؛ فهو في مظانة من كتب الفقه .
قوله : { تطهرهم وتزكيهم بها } جملتان فعليتان في موضع نصب على الحال{[1892]} ؛ أي خذها مطهرا لهم ومزكيا بها لهم ؛ فهي تطهرهم من دنس الذنوب ، وتسمو بهم على خسائس أحوال المنافقين ومنازلهم ، إلى درجات الأتقياء والمقربين .
قوله : { وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم } أي ادع لهم بالمغفرة واستغفر لهم من الذنوب والآثام فدعاؤك واستغفارك رحمة لهم ووقار ، وفيه ما يطمئنهم بان ذنوبهم مغفورة وأنهم معفو عنهم . وذلك لما في اليقين بأن الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم لهو أكره ما تنبس به شفاه الداعين من المؤمنين والذاكرين والأبرار طرا . فدعاؤه صلى الله عليه وسلم مفعم بالبركة وكامل الصدق } فهو خليق بالقبول . قوله : { والله سميع عليم } اله سميع الدعاء فيستجيب للمؤمنين المخلصين . لا جرم أن الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم أخلق بالقبول والاستجابة ، والله سبحانه عليم بما في النوايا والقلوب .