{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ }
هذه الآيات ، تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله ، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة ، لما قوي المسلمون للقتال ، أمرهم الله به ، بعد ما كانوا مأمورين بكف أيديهم ، وفي تخصيص القتال { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } حث على الإخلاص ، ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين .
{ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } أي : الذين هم مستعدون لقتالكم وهم المكلفون ؛ الرجال غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال .
والنهي عن الاعتداء ، يشمل أنواع الاعتداء كلها ، من قتل من لا يقاتل ، من النساء ، والمجانين والأطفال ، والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى ، وقتل الحيوانات ، وقطع الأشجار [ ونحوها ] ، لغير مصلحة تعود للمسلمين .
ومن الاعتداء ، مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها ، فإن ذلك لا يجوز .
الأولى : قوله تعالى : " وقاتلوا " هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ، ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : " ادفع بالتي هي أحسن{[1658]} " [ فصلت : 34 ] وقوله : " فاعف عنهم واصفح{[1659]} " [ المائدة : 13 ] وقوله : " واهجرهم هجرا جميلا{[1660]} " [ المزمل : 10 ] وقوله : " لست عليهم بمسيطر{[1661]} " [ الغاشية : 22 ] وما كان مثله مما نزل بمكة . فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " قاله الربيع بن أنس وغيره . وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا{[1662]} " [ الحج : 39 ] . والأول أكثر ، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة ، فلما نزل الحديبية بقرب مكة - والحديبية اسم بئر ، فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر - فصده المشركون عن البيت ، وأقام بالحديبية شهرا ، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء ، على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام ، وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين ، ورجع إلى المدينة . فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء ، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام ، فنزلت هذه الآية ، أي يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار . فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها ، فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه ، حتى نزل " فاقتلوا المشركين{[1663]} " [ التوبة : 5 ] فنسخت هذه الآية ، قاله جماعة من العلماء . وقال ابن زيد والربيع : نسخها " وقاتلوا المشركين كافة{[1664]} " [ التوبة : 36 ] فأمر بالقتال لجميع الكفار . وقال ابن عباس وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد : هي محكمة أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم ، على ما يأتي بيانه . قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح القولين في السنة والنظر ، فأما السنة فحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك ، ونهى عن قتل النساء والصبيان ، رواه الأئمة . وأما النظر فإن " فاعل " لا يكون في الغالب إلا من اثنين ، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة ، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم ، كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون . وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام ، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية ، أخرجه مالك وغيره ، وللعلماء فيهم صور ست :
الأولى : النساء إن قاتلن قتلن ، قال سحنون : في حالة المقاتلة وبعدها ، لعموم قوله : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " ، " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " [ البقرة : 191 ] . وللمرأة آثار عظيمة في القتال ، منها الإمداد بالأموال ، ومنها التحريض على القتال ، وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيرات بالفرار ، وذلك يبيح قتلهن ، غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن ، وتعذر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال .
الثانية : الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية ، ولأنه لا تكليف عليهم ، فإن قاتل الصبي قتل .
الثالثة : الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون ، بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم ، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر ، لقول أبي بكر ليزيد : " وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله ، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له " فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا . ولو ترهبت المرأة فروى أشهب أنها لا تهاج{[1665]} . وقال سحنون : لا يغير الترهب حكمها . قال القاضي أبو بكر بن العربي : " والصحيح عندي رواية أشهب ، لأنها داخلة تحت قوله : " فذرهم وما حبسوا أنفسهم له " .
الرابعة : الزمنى . قال سحنون : يقتلون . وقال ابن حبيب : لا يقتلون . والصحيح أن تعتبر أحوالهم ، فإن كانت فيهم إذاية قتلوا ، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة وصاروا{[1666]} مالا على حالهم وحشوة .
الخامسة : الشيوخ . قال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون . والذي عليه جمهور الفقهاء : إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال ، ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل ، وبه قال مالك وأبو حنيفة . وللشافعي قولان : أحدهما : مثل قول الجماعة . والثاني : يقتل هو والراهب . والصحيح الأول لقول أبي بكر ليزيد ، ولا مخالف له فثبت أنه إجماع . وأيضا فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله كالمرأة ، وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء : القتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق أو عقد الذمة على أداء الجزية . السادسة : العسفاء ، وهم الأجراء والفلاحون ، فقال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون وقال الشافعي : يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية . والأول أصح ، لقوله عليه السلام في حديث رباح{[1667]} بن الربيع ( الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا ) . وقال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذي لا ينصبون لكم الحرب . وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حراثا ، ذكره ابن المنذر .
الثانية : روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " أهل الحديبية{[1668]} أمروا بقتال من قاتلهم . والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين ، أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه . ألا تراه كيف بينها في سورة " براءة " بقوله : " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار{[1669]} " [ التوبة : 123 ] وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم ، فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة ، وذلك باق متماد إلى يوم القيامة ، ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام : ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم ) . وقيل : غايته نزول عيسى ابن مريم عليه السلام ، وهو موافق للحديث الذي قبله ، لأن نزوله من أشراط الساعة .
الثالثة : قوله تعالى : " ولا تعتدوا " قيل في تأويله ما قدمناه ، فهي محكمة . فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة ، وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة . ومن أسر الاعتقاد بالباطل{[1670]} ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب . وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق . وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله ، كالحمية وكسب الذكر ، بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، يعني دينا وإظهارا للكلمة . وقيل : " لا تعتدوا " أي لا تقاتلوا من لم يقاتل . فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار ، والله أعلم .
{ الذين يقاتلونكم } كان القتال غير مباح في أول الإسلام ، ثم أمر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل ، وذلك مقتضى هذه الآية ثم أمر بقتال جميع الكفار في قوله :{ قاتلوا المشركين كافة }[ التوبة :36 ] { واقتلوهم حيث وجدتموهم }[ النساء :89 ] فهذه الآية منسوخة ، وقيل : إنها محكمة وأن المعنى قاتلوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلونكم دون النساء والصبيان الذين لا يقاتلونكم ، والأول : أرجح وأشهر { ولا تعتدوا } أي : بقتال من لم يقاتلكم على القول الأول ، وبقتال النساء والصبيان على القول الثاني .