تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

{ 17 } { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ }

يذكر تعالى ، حال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من ورثته القائمين بدينه ، وحججه الموقنين بذلك ، وأنهم لا يوصف بهم غيرهم ولا يكون أحد مثلهم ، فقال : { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ } بالوحي الذي أنزل{[428]}  الله فيه المسائل المهمة ، ودلائلها الظاهرة ، فتيقن تلك البينة .

{ وَيَتْلُوهُ } أي : يتلو هذه البينة والبرهان برهان آخر { شَاهِدٌ مِنْهُ } وهو شاهد الفطرة المستقيمة ، والعقل الصحيح ، حين شهد حقيقة ما أوحاه الله وشرعه ، وعلم بعقله حسنه ، فازداد بذلك إيمانا إلى إيمانه .

{ و } ثم شاهد ثالث وهو { كِتَابُ مُوسَى } التوراة التي جعلها الله { إِمَامًا } للناس { وَرَحْمَةً } لهم ، يشهد لهذا القرآن بالصدق ، ويوافقه فيما جاء به من الحق .

أي : أفمن كان بهذا الوصف قد تواردت عليه شواهد الإيمان ، وقامت لديه أدلة اليقين ، كمن هو في الظلمات والجهالات ، ليس بخارج منها ؟ !

لا يستوون عند الله ، ولا عند عباد الله ، { أُولَئِكَ } أي : الذين وفقوا لقيام الأدلة عندهم ، { يُؤْمِنُونَ } بالقرآن حقيقة ، فيثمر لهم إيمانهم كل خير في الدنيا والآخرة .

{ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ } أي : القرآن { مِنَ الْأَحْزَابِ } أي : سائر طوائف أهل الأرض ، المتحزبة على رد الحق ، { فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } لا بد من وروده إليها { فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ منه } أي : في أدنى شك { إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ } إما جهلا منهم وضلالا ، وإما ظلما وعنادا وبغيا ، وإلا فمن كان قصده حسنا وفهمه مستقيما ، فلا بد أن يؤمن به ، لأنه يرى ما يدعوه إلى الإيمان من كل وجه .


[428]:- كذا في ب، وفي أ: أنزله.
 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

{ أفمن كان } يعني النبي صلى الله عليه وسلم { على بينة من ربه } بيان من ربه وهو القرآن { ويتلوه شاهد } وهو جبريل عليه السلام { منه } من الله عز وجل يريد أنه يتبعه ويؤيده ويشهده { ومن قبله } ومن قبل القرآن { كتاب موسى } التوراة يتلوه أيضا في التصديق لأن موسى عليه السلام بشر به في التوراة فالتوراة تتلو النبي صلى الله عليه وسلم في التصديق وقوله { إماما ورحمة } يعني أن كتاب موسى كان إماما لقومه ورحمة وتقدير الآية أفمن كان بهذه الصفة كمن ليس يشهد بهذه الصفة فترك ذكر المضاد له { أولئك يؤمنون به } يعني من آمن به من أهل الكتاب { ومن يكفر به من الأحزاب } أصناف الكفار { فالنار موعده فلا تك في مرية منه } من هذا الوعد { إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } يعني أهل مكة

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

ولما اتضحت الحجج وانتهضت الدلائل فأغرقتهم عوالي اللجج ، كان ذلك موضع الإنكار على من يسوي بين المهتدي والمعتدي ، فكيف بمن يفضل إما باعتبار النظر إلى الرئاسة الدنيوية غفلة من حقائق الأمور أو عناداً كمن{[38981]} قال من اليهود للمشركين : أنتم أهدى منهم ، فقال : { أفمن كان على بينة } أي برهان وحجة { من ربه } بما آتاه من نور البصيرة وصفاء العقل فهو يريد الآخرة ويبني{[38982]} أفعاله على أساس ثابت { ويتلوه } أي ويتبع هذه البينة { شاهد } هو القرآن { منه } أي من ربه ، {[38983]}أو تأيد{[38984]} ذلك البرهان{[38985]} برسالة رسول عربي بكلام معجز وكان { من قبله } أي هذا الشاهد مؤيداً له { كتاب موسى } أي شاهد أيضاً{[38986]} وهو التوراة حال كونه { إماماً } يحق الاقتداء به { ورحمة } أي لكل من اتبعه .

ولما كان الجواب ظاهراً حذفه{[38987]} ، وتقديره - والله أعلم : كمن هو على الضلالة{[38988]} فهو{[38989]} يريد الدنيا فهو يفعل من المكارم ما ليس مبنياً على أساس صحيح ، فيكون في دار البقاء والسعادة هباء منثوراً ؛ ولما كان هذا الذي على البينة عظيماً ، ولم يكن يراد به واحداً بعينه ، استأنف البيان لعلو مقامه بأداة{[38990]} الجمع بشارة لهذا النبي الكريم بكثرة أمته فقال : { أولئك } أي العالو الرتبة بكونهم على هدى من ربهم وتأيد هداهم بشاهد من قبله وشاهد من بعده مصدق له { يؤمنون به } أي بهذا القرآن الذي هو الشاهد ولا ينسبون{[38991]} الآتي به إلى أنه افتراه { ومن يكفر به } أي بهذا الشاهد { من الأحزاب } من جميع الفرق وأهل الملل سواء ، سوى بين الفريقين جهلاً أو عناداً { فالنار موعده } أي وعيده وموضع وعيده يصلى سعيرها ويقاسي زمهريرها .

ولما عم بوعيد النار ، اشتد تشوف النفس لما سبب عنه فقرب إزالة ما حملت من ذلك بالإيجاز ، فاقتضى الأمر حذف نون " تَكن " فقيل : { فلا تكُ } أي أيها المخاطب الأعظم { في مرية } أي شك عظيم ووهم{[38992]} { منه } أي من القرآن ولا يضيق صدرك عن إبلاغه ، أو من الوعد{[38993]} الذي هو النار والخيبة وإن أنعمنا على المتوعد بذلك ونعمناه{[38994]} في الدنيا ؛ ثم علل النهي بقوله{[38995]} : { إنه } القرآن {[38996]}أو الموعد{[38997]} { الحق } أي الكامل ، وزاد في الترغيب فيه بقوله : { من ربك } أي المحسن إليك بإنزاله عليك .

ولما كان كونه حقاً سبباً يعلق{[38998]} الأمل بإيمان كل من سمعه ، قال : { ولكن أكثر الناس } أي الذين هم{[38999]} في حيز الاضطراب { لا يؤمنون } بأنه حق لا لكون الريب يتطرق إليه بل لما على قلوبهم من الرين ويؤولون إليه من العذاب المعد لهم ممن لا يبدل القول لديه ولا ينسب الظلم إليه ، والقصد بهذا الاستفهام الحث على ما حث عليه الاستفهام في قوله { فهل أنتم مسلمون } من الإقبال على الدين الحق على وجه مبين لسخافة{[39000]} عقول الممترين وركاكة آرائهم .


[38981]:في ظ: لمن.
[38982]:في ظ: بنى.
[38983]:في ظ: تأييد.
[38984]:في ظ: تأييد.
[38985]:زيد بعده في الأصل: به، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[38986]:زيد من ظ.
[38987]:من ظ، وفي الأصل: صدقه.
[38988]:في ظ: الصلاة.
[38989]:زيد بعده في الأصل: كمن، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[38990]:من ظ، وفي الأصل: بإرادة.
[38991]:من ظ، وفي الأصل: لا ينسبوا.
[38992]:زيد من ظ.
[38993]:في ظ: الوعيد.
[38994]:في ظ: نعماه.
[38995]:سقط من ظ.
[38996]:في ظ: والوعيد.
[38997]:في ظ: والوعيد.
[38998]:من ظ، وفي الأصل: تعلق.
[38999]:سقط من ظ.
[39000]:في ظ: ليخافه.