تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ} (84)

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ }

وهذا الفعل المذكور في هذه الآية ، فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة ، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين ، وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية ، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود ، بنو قريظة ، وبنو النضير ، وبنو قينقاع ، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة .

فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم{[92]} الفرقة الأخرى من اليهود ، فيقتل اليهودي اليهودي ، ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب ، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها ، وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا .

والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم ، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض ، ولا يخرج بعضهم بعضا ، وإذا وجدوا أسيرا منهم ، وجب عليهم فداؤه ، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين ، فأنكر الله عليهم ذلك فقال : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ } وهو فداء الأسير { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } وهو القتل والإخراج .

وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي ، وأن المأمورات من الإيمان ، قال تعالى : { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } وقد وقع ذلك فأخزاهم الله ، وسلط رسوله عليهم ، فقتل من قتل ، وسبى من سبى منهم ، وأجلى من أجلى .

{ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } أي : أعظمه { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }


[92]:- كذا في ب، وفي أ: يعينونهم.
 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ} (84)

{ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم } بأن لا يقتل بعضكم بعضا ولا يخرج بعضكم بعضا من داره ولا يغلبه عليها { ثم أقررتم } آي قبلتم ذلك { وأنتم } اليوم { تشهدون } على إقرار أوائلكم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ} (84)

ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم فيه من العهد ، وقرن به الإخراج من الديار لأن المال عديل الروح والمنزل أعظم المال وهو للجسد كالجسد للروح فقال : { وإذ أخذنا ميثاقكم } يا بني إسرائيل { لا تسفكون دماءكم }{[3380]} أي لا يسفك بعضكم{[3381]} دماء بعض { ولا تخرجون أنفسكم } بإخراج بعضكم لبعض{[3382]} لأن المتواصلين بنسب أو دين كالنفس الواحدة{[3383]} { من دياركم } ، قال الحرالي : وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة استحفاظاً لما تحويه من أموالها - انتهى .

ولما كانوا قد نكصوا عند حقوقِ الأمر فلم يقبلوا ما أتاهم من الخير{[3384]} حتى خافوا الدمار بسقوط الطور عليهم أشار إلى ذلك بقوله : { ثم أقررتم } أي بذلك كله{[3385]} بعد ليّ{[3386]} وتوقف ، والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الحرالي : { وأنتم تشهدون } {[3387]}بلزومه وتعاينون تلك الآيات الكبار الملجئة لكم إلى ذلك ، وقد مضى مما يصدق هذا عن التوراة آنفاً ما فيه كفاية{[3388]} للموفق ، وسيأتي في المائدة بقيته{[3389]} ، إن شاء الله تعالى .


[3380]:قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط 1/ 288: ظاهر قوله "لا تسفكون دماءكم" أي لا تفعلون ذلك بأنفسكم لشدة تصيبكم وحنق يلحقكم، وقيل معناه لا تسفكوا دماء الناس، فإن من سفك دماءهم سفكوا دمه، وقال: سقياهم كأسا سقونا بمثله ولكنهم كانوا على الموت أصبرا وقيل معناه لا تقتلوا أنفسكم بارتكابكم ما يوجب ذلك كارتداد والزنا بعد الإحصان والمحاربة وقتل النفس بغير حق ونحو ذلك مما يزل عصمة الدماء.
[3381]:وفي ظ: دماءكم
[3382]:ليست في ظ
[3383]:ليست في ظ
[3384]:في م: الخبر
[3385]:في ظ: بعدل -كذا
[3386]:وفي البحر المحيط: أي تعلمون أن الله أخذ عليكم وأراد على قدماء بني إسرائيل إن كان الخطاب واردا عليهم، وإن كان معاصريه صلى الله عليه وسلم من أبنائهم فمعناه وأنتم تشهدون على أسلافكم بما أخذه الله عليهم من المعاهد إما بالنقل المتواتر وإما بما تتلونه من التوراة، وإن كان معنى الشهادة الحضور فيتعين أن يكون الخطاب لأسلافهم. وقال بعض المفسرين: "ثم أقررتم" عائد إلى الخلف، "وأنتم تشهدون" عائد إلى السلف، لأنهم عاينوا سفك دماء بعضهم عضا، وقال "أنتم تشهدون" لأن الأوائل والأصاغر صاروا كالشيء الواحد، فلذاك أطلق عليهم خطاب الحضرة.
[3387]:في ظ: كناية
[3388]:في ظ: كناية
[3389]:ليس في م