تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ} (62)

{ ثُمَّ } بعد الموت والحياة البرزخية ، وما فيها من الخير والشر { رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ } أي : الذي تولاهم بحكمه القدري ، فنفذ فيهم ما شاء من أنواع التدبير ، ثم تولاهم بأمره ونهيه ، وأرسل إليهم الرسل ، وأنزل عليهم الكتب ، ثم ردوا إليه ليتولى الحكم فيهم بالجزاء ، ويثيبهم على ما عملوا من الخيرات ، ويعاقبهم على الشرور والسيئات ، وَلهذا قال : { أَلَا لَهُ الْحُكْمُ } وحده لا شريك له { وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } لكمال علمه وحفظه لأعمالهم ، بما أثبتته في اللوح المحفوظ ، ثم أثبته ملائكته في الكتاب ، الذي بأيديهم ، فإذا كان تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير ، وهو القاهر فوق عباده ، وقد اعتنى بهم كل الاعتناء ، في جميع أحوالهم ، وهو الذي له الحكم القدري ، والحكم الشرعي ، والحكم الجزائي ، فأين للمشركين العدولُ عن من هذا وصفه ونعته ، إلى عبادة من ليس له من الأمر شيء ، ولا عنده مثقال ذرة من النفع ، ولا له قدرة وإرادة ؟ ! .

أما والله لو علموا حلم الله عليهم ، وعفوه ورحمته بهم ، وهم يبارزونه بالشرك والكفران ، ويتجرءون على عظمته بالإفك والبهتان ، وهو يعافيهم ويرزقهم لانجذبت ، دواعيهم إلى معرفته ، وذهلت عقولهم في حبه . ولمقتوا أنفسهم أشد المقت ، حيث انقادوا لداعي الشيطان ، الموجب للخزي والخسران ، ولكنهم قوم لا يعقلون .

{ 63 ، 64 } { قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ }

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ} (62)

{ ثم ردوا } يعني العباد يردون بالموت { إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم } أي القضاء فيهم { وهو أسرع الحاسبين } أقدر المجازين

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ} (62)

ولما أشار سبحانه إلى قوته بالجنود التي تفوت الحصر - وإن كان عنهم غنياً بصفة القهر{[29887]} - نبه{[29888]} بصيغة المجهول إلى استحضار عظمته وشامل جبروته وقدرته فقال : { ثم } أي بعد حبسهم في قيد البرزخ { ردوا } أي ردهم راد{[29889]} منه لا يستطيعون دفاعه أصلاً { إلى الله } أي الذي لا تحد عظمته ولا تعد جنوده وخدمته { مولاهم } أي مبدعهم ومدبر أمورهم{[29890]} كلها { الحق } أي الثابت الولاية ، وكل ولاية غير ولايته من الحفظة وغيرهم عدم ، لأن الحفظة لا يعلمون إلا ما ظهر لهم ، وهو سبحانه يعلم السر وأخفى .

ولما استحضر المخاطب عزته وقهره ، وتصور جبروته وكبره ، فتأهل{[29891]} قلبه وسمعه لما يلقى إليه ويتلى عليه ، قال : { ألا له } أي وحده{[29892]} حقاً { الحكم } ولما كان الانفراد بالحكم بين جميع الخلق أمراً يحير الفكر ، ولا يكاد يدخل تحت الوهم ، قال محقراً في جنب قدرته : { وهو } أي وحده { أسرع الحاسبين * } يفصل بين الخلائق كلهم في أسرع من اللمح كما أنه يقسم أرزاقهم في الدنيا في مثل{[29893]} ذلك ، لا يقدر أحد{[29894]} أن ينفك عن عقابه بمطاولة{[29895]} في الحساب ولا مغالطة{[29896]} في ثواب ولا عقاب ، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى فكر وروية ولا عقد ولا{[29897]} كتابة ، فلا يشغله حساب{[29898]} عن حساب{[29899]} ولا شيء عن شيء .


[29887]:زيد من ظ.
[29888]:في الأصل و ظ: منه- كذا.
[29889]:من ظ، وفي الأصل: رادا.
[29890]:من ظ، وفي الأصل: أمرهم.
[29891]:في ظ: فتأمل.
[29892]:زيد من ظ.
[29893]:من ظ، وفي الأصل: نقل.
[29894]:سقط من ظ.
[29895]:في ظ: مطاولة.
[29896]:من ظ، وفي الأصل: مغاطة.
[29897]:زيد من ظ.
[29898]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29899]:سقط ما بين الرقمين من ظ.