تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ} (102)

{ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون102 } .

المفردات :

أجمعوا أمرهم : أحكموا تدبيرهم .

يمكرون : يتآمرون ويحتالون .

التفسير :

102 { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } .

هذا تعقيب من الحق سبحانه على قصة يوسف عليه السلام ، والتفات إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؛ يواسيه ويشد أزره فيقول له : هذه قصة يوسف ، من أخبار الوحي والغيب ؛ أعلمناك بها بطريق الوحي ، وأنت لم تكن مشاهدا لإخوته حين دبروا أمرهم ، وأحكموا مكرهم على إلقائه في الجب ، وإبعاده عن أبيه .

وما كان لك علم بما في هذه القصة من رحلة يوسف إلى مصر ، وفتنة امرأة العزيز به ، ودخوله السجن ، ثم خروجه من السجن ملكا عزيزا متصرفا ، أي : لم تشاهد شيئا من قصة يوسف ، وما كنت تعلمها إلا بطريق الوحي .

شبه الجاحدين على الوحي

ادعى بعض الجاحدين على الوحي : أن محمدا كان شديد الذكاء ، قوي الفراسة ، له قدرة على التخيل ، فصاغ هذا القرآن من عند نفسه ، ونسبه إلى الله تعالى .

ونقول لهؤلاء :

القرآن فيه أخبار وقصص وردود في غاية الصدق ، وفيه أرقام عن أهل الكهف ، وعن بدء الخليقة لا ينفع فيها الذكاء ، وفيه إخبار بالغيب في سورة الروم وغيرها ، وفيه معلومات علمية عن الكون والسماء والأرض ، لم تصطدم بالعلم ، بل كلما تقدم العلم ؛ كلما أكد وأيد ما في كتاب الله .

قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } . ( فصلت : 53 ) .

ونبي الله محمد لم يكن مصاحبا ليوسف حتى يحكي قصته بهذا الصدق ، ولم يكن مصاحبا لموسى ، أو لنوح ؛ أو لشعيب مع أهل مدين ، حتى يحكي قصص هؤلاء بصورة كانت أصلا لأحكام المؤرخين .

قال تعالى : { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا . . . }( القصص : 46 ) ، وقال سبحانه : { وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين } . ( القصص : 45 ) .

وخلاصة هذا : أن الله هو الذي أطلع رسوله على أنباء ما سبق ؛ ليكون فيها عبرة للناس في دينهم ودنياهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ} (102)

{ ذلك } إشارة إلى ما ذكر من أنباء يوسف عليه السلام ، وما فيه من معنى البعد لما مر مراراً ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ وقوله تعالى : { مِنْ أَنبَاء الغيب } الذي لا يحوم حوله أحد خبره ، وقوله سبحانه : { نُوحِيهِ إِلَيْكَ } خبر بعد خبر أو حال من الضمير في الخبر ، وجوز أن يكون { ذلك } اسماً موصولاً مبتدأ و { مِنْ أَنبَاء الغيب } صلته و { نُوحِيهِ إِلَيْكَ } خبره وهو مبني على مذهب مرجوح من جعل سائر أسماء الإشارة موصولات .

{ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } يريد إخوة يوسف عليه السلام { إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } وهو جعلهم إياه في غيابة الجب { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } به ويبغون له الغوائل ، والجملة قيل : كالدليل على كون ذلك من أنباء الغيب وموحي إليه عليه الصلاة والسلام ، والمعنى أن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي لأنك لم تحضر إخوة يوسف عليه السلام حين عزموا على ما هموا به من أن يجعلوه في غيابة الجب وهم يمكرون به ، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً سمع ذلك فتعلمته منه ، وهذا من المذهب الكلامي على ما نص عليه غير واحد وإنماحذف الشق الأخير مع أن الدال على ما ذكر مجموع الأمرين لعلمه من آية أخرى كقوله تعالى : { مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ } [ هود : 49 ] وقال بعض المحققين : إن هذا تهكم بمن كذبه وذلك من حيث أنه تعالى جعل المشكوك فيه كونه عليه السلام حاضراً بين يدي أولاد يعقوب عليه السلام ماكرين فنفاه بقوله : { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } وإنما الذي يمكن أن يرتاب فيه المرتاب قبل التعرف هو تلقيه من أصحاب هذه القصة ، وكان ظاهر الكلام أن ينفي ذلك فلما جعل المشكوك ما لا ريب فيه لأن كونه عليه الصلاة والسلام لم يلق أحداً ولا سمع كان عندهم كفلق الفجر جاء التهكم البالغ وصار حاصل المعنى قد علمتم يا مكابرة أنه لم يكن مشاهداً لمن مضى من القرون الخالية وإنكاركم لما أخبر به يفضي إلى أن تكابروه بأنه قد شاهد من مضى منهم ، وهذا كقوله تعالى : { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إذ وصاكم الله بهذا } [ الأنعام : 144 ] ومنه يظهر فائدة العدول عن أسلوب { مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ } [ هود : 49 ] إلى هذا الأسلوب وهو أبلغ مما ذكر أولاً ، وذكر لترك ذلك نكتة أخرى أيضاً وهي أن المذكور مكرهم وما دبروه وهو مما أخفوه حتى لا يعلمه غيرهم فلا يمكن تعلمه من الغير ولا يخلو عن حسن ، وأياً ما كان ففي الآية إيذان بأن ما ذكر من النبأ هو الحق المطابق للواقع وما ينقله أهل الكتاب ليس على ما هو عليه :

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ} (102)

قوله تعالى : { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ 102 وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ 103 وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من أمر يوسف وأبيه يعقوب وإخوته لهو من أخبار الغيب الذي لم تشاهده أنت ولم تعاينه بل أنبأناك به بوحي منا إليك . قوله : { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } ما كنت حاضرا يا محمد عند إخوة يوسف ؛ إذ اتفقوا جميعهم على الكيد ليسوف بإلقائه في مجاهل البئر حيث الهلاك والخطر المحدق { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } لقد مكروا بأخيهم يوسف ؛ إذ تمالئوا عليه ليلقوه في ظلمة الجب فيخلو لهو وجه أبيهم . وكذلك مكروا بأبيهم يعقوب ؛ إذ تمالئوا عليه بالكذب فجاءوه بالقميص الملطخ بالدم المكذوب .

هذه الأخبار العجيبة المثيرة ما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم –وهو العربي الأمي الذي لم يعفر القراءة ولا الكتابة ولا التاريخ من أنباء الغابرين- يعلم منها شيئا لكن الله أطلعه عليها بوحي من عنده . لا جرم أن ذلك يزجي بقاطع الدلالة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم .