ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب : لا تجعلوا الكذب قولكم ، ولا تجعلوا ألسنتكم أداة الكذب .
جاء في تفسير الكشاف ما معناه :
يقولون : له وجه يصف الجمال ، وعين تصف السحر ، يريدون : أنه جميل ، وأن عينه تفتن من رآها ؛ لأنه لما كان وجهه منشأ للجمال ، وعينه منبعا للفتنة والسحر ، كان كل منهما كأنه إنسان عالم بكنههما ، محيط بحقيقتهما ، يصفهما للناس أجمل وصف ، ويعرّفهما أتم تعريف ، وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب } ، إذ جعل الكذب كأنه حقيقة مجهولة ، وكلامهم الكذب يشرح تلك الحقيقة ويوضحها ، كأن ألسنتهم لكونها موصوفة بالكذب ، هي حقيقته ومنبعه الذي يعرف منه .
لتفتروا : أي : لتكون العاقبة ذلك .
{ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } .
التحليل والتحريم لا يكونان إلا بنص ، ولا يجوز أن يجرؤ إنسان على تحليل شيء أو تحريمه ، لهواه أو رأيه أو فتوى بغير علم ، فيكون قد اجترأ على الله فضلّ وأضلّ .
ومعنى الآية : لا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم وتحكيه : هذا حلال ، وهذا حرام ، فهذا القول حين يقوله إنسان بلا نص هو الكذب بعينه ، الذي يفتريه على الله ، ويتقول على الله بما لم يقله ، بدون دليل ولا برهان .
ويدخل في الآية من ابتدع بدعة ، ليس له فيها مستند شرعي ، أو حلل شيئا مما حرم الله ، أو حرم شيئا مما أباح الله ، بمجرد رأيه وتشهيه . اه .
لا تسموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن الله تعالى ورسوله : حلالا وحراما ؛ فتكونوا كاذبين على الله ؛ لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حكمه سبحانه . اه .
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل أآلله أذن لكم أم على الله تفترون }( يونس : 59 ) .
وقد ادعى المشركون : تحريم أشياء لم يحرمها الله سبحانه ، وفند القرآن دعواهم ، ومن ذلك قوله تعالى : { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا . . . }( الأنعام : 139 ) .
{ لتفتروا على الله الكذب } . أي : لتكون عاقبة أمركم إسناد التحريم والتحليل إلى الله ، كذبا من غير أن يكون ذلك منه ، فالله تعالى لم يحرم من ذلك ما تحرمون ، ولا أحل كثيرا مما تحللون .
لا تسموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن الله ورسوله : حلالا وحراما ؛ فتكونوا كاذبين عليه ؛ لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حكمه تعالى .
عن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا .
{ إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } . أي : إن الذين يختلقون الكذب ، ويخترعون الفتوى ، وينسبون ذلك إلى الله وشرعه كذبا وزورا ؛ لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة ، فسرعان ما يكتشف الناس كذبهم ، فينصرفون عنهم ، ويكونون مضرب الأمثال في الهوان والصغار .
ثم إنه تعالى أكد ما يفهم من الحصر بالنهي عن التحريم والتحليل بالأهواء فقال عز قائلاً : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ } الخ ، ولا ينافي ذلك العطف كما لا يخفى ، واللام صلة القول مثلها في قوله تعالى : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ في سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ } [ البقرة : 154 ] وقولك : لا تقل للنبيذ إنه حلال ، ومعناها الاختصاص ، و { مَا } موصولة والعائد محذوف أي لا تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم : { مَا في بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } [ الأنعام : 139 ] من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر فضلاً عن استناده إلى وحي أو قياس مبني عليه بل مجرد قول باللسان .
{ الكذب } منتصب على أنه مفعول به لتقولوا وقوله سبحانه : { هذا حلال وهذا حَرَامٌ } بدل منه بدل كل ، وقيل : منصوب بإضمار أعني ، وقيل : { الكذب } منتصب على المدرية و { هذا } مقول القول .
وجوز أن يكون بدل اشتمال ، وجوز أن يكون { الكذب } مقول القول المذكور ويضمر قول آخر بعد الوصف واللام على حالها أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام ، والجملة مبينة ومفسرة لقوله تعالى : { تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ } كما في قوله سبحانه : { فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 54 ] وجوز أن لا يضمر القول على المذهب الكوفي وأن يقدر قائله على أن المقدر حال من الألسنة ، ويجوز أن يكون اللام للتعليل و { مَا } مصدرية و { الكذب } مفعول الوصف و { هذا حلال } الخ مقول القول أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل وصف ألسنتكم الكذب ، وإلى هذا ذهب الكسائي . والزجاج ، وحاصله لا تحصلوا ولا تحرموا لمجرد وصف ألسنتكم الكذب وتصويرها له وتحقيقها لماهيته كأن ألسنتهم لكونها منشأ للكذب ومنبعاً للزور شخص عالم بكنهه ومحيط بحقيقته يصفه للناس ويعرفه أوضح وأبين تعريف ، ومثل هذا وارد في كلام العرب والعجل تقول : له وجه يصف الجمال وريق يصف السلاف وعين تصف السحر ، وتقدم بيت المعري ، وقد بولغ في الآية من حيث جعل قولهم كذباً ثم جعل اللسان الناطقة بتلك المقالة ينبوعه مصورة إياه التي هو عليها وهو من باب الاستعارة بالكناية وجعله بعضهم من باب الإسناد المجازي نحو نهاره صائم كأن ألسنتهم لكونها موصوفة بالكذب صارت كأنها حقيقة ومنبعه الذي يعرف منه حتى كأنه يصفه ويعرفه كقوله :
أضحت يمينك من جود مصورة . . . لإبل يمينك منها صور الجود
وقرأ الحسن . وابن يعمر . وطلحة . والأعرج . وابن إسحق . وابن عبيد . ونعيم بن ميسرة { الكذب } بالجر ، وخرج على أن يكون بدلاً من { مَا } مع مدخولها ، وجعله غير واحد صفة لما المصدرية مع صلتها .
وتعقبه أبو حيان بأن المصدر المسبوك من ما أوان أو كي مع الفعل معرفة كالمضمر لا يجوز نعته فلا يقال : أعجبني أن تقوم السريع كما يقال : أعجبني قيامك السريع ، وليس لكل مقدر حكم المنطوق به وإنما يتبع بذلك كلام العرب .
وقرأ معاذ . وابن أبي عبلة . وبعض أهل الشام { الكذب } بضم الثلاثة صفة للألسنة وهو جمع كذوب كصبور وصبر ، قال «صاحب اللوامح » أو جمع كذاب بكسر الكاف وتخفيف الذال مصدر كالقتال وصف به مبالغة وجمع فعل ككتاب وكتب أو جمع كاذب كشارف وشرف . وقرأ مسلمة بن محارب كما قال ابن عطية أو يعقوب كما قال «صاحب اللوامح » ونسب قراءة معاذ ومن معه إلى مسلمة { الكذب } بضمتين والنصب ، وخرج على أوجه . الأول : أن ذلك منصوب على الشتم والذم وهو نعت للألسنة مقطوع .
الثاني : أنه مفعول به لتصف أو { تَقُولُواْ } والمراد الكلم الكواذب . الثالث : أنه مفعول مطلق لتصف من معناه على أنه جمع كذاب المصدر ، وأعرب { هذا حلال } الخ على ما مر ولا إشكال في إبداله لأنه كلم باعتبار مواده وكلامان ظاهراً { لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب } اللام لام العاقبة والصيرورة وللتعليل لأن ما صدر منهم ليس لأجل الافتراء على الله تعالى بل لأغراض أخر ويترتب على ذلك ما ذكر ، وإلى هذا ذهب الزمخشري وجماعة ، وقال بعضهم : يجوز أن تكون للتعليل ولا يبعد قصدهم لذلك كما قالوا : { وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } [ الأعراف : 28 ] وفي «البحر » أنه الظاهر ولا يكون ذلك على سبيل التوكيد للتعليل السابق على احتمال كون اللام للتعليل وما مصدرية لأن في هذا التنبيه على من افتروا الكذب عليه وليس فيما مر بل فيه إثبات الكذب مطلقاً ففي ذلك إشارة إلى أنهم لتمرنهم على الكذب احترئا على الكذب على الله تعالى فنسبوا ما حللوا وحرموا إليه سبحانه ، وقال الواحدي : إن { لّتَفْتَرُواْ } بدل من { لِمَا تَصِفُ } الخ لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى ، وهو على ما في البحر أيضاً على تقدير كون ما مصدرية لأنها إذا جعلت موصولة لا تكون اللام للتعليل ليبدل من ذلك ما يفهم التعليل ، وقيل : لا مانع من التعليل على تقدير الموصولية فعند قصد التعليل يجوز الإبدال ، وحاصل معنى الآية على ما نص عليه العسكري لا تسموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حلالاً ولا حراماً فتكونوا كاذبين على الله تعالى لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حكمة سبحانه ، ومن هنا قال أبو نضرة : لم أزل أخاف الفتيا منذ سمعت آية النحل إلى يوم هذا .
وقال ابن العربي كره مالك وقوم أن يقول المفتي هذا حلال وهذا حرام في المسائل الاجتهادية وإنما يقال ذلك فيما نص الله تعالى عليه ، ويقال في مسائل الاجتهاد ؛ إني أكره كذا وكذا ونحو ذلك فهو أبعد من أن يكون فيه ما يتوهم منه الافتراء على الله سبحانه { إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } في أمر من الأمور { لاَ يُفْلِحُونَ } لا يفوزون بمطلوب .
{ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ } ، أي : لا تحرموا وتحللوا من تلقاء أنفسكم ، كذبا وافتراء على الله وتقولا عليه .
{ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا بد أن يظهر الله خزيهم وإن تمتعوا في الدنيا فإنه { مَتَاعٌ قَلِيلٌ } ، ومصيرهم إلى النار ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، فالله تعالى ما حرم علينا إلا الخبيثات تفضلا منه ، وصيانة عن كل مستقذر .