تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ} (119)

114

المفردات :

بجهالة : الجهالة هنا : الطيش ، وعدم التدبر في العواقب .

التفسير :

{ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } .

تتكرر المعاني التي تفصح عن رحمة الله بعباده ، وقبول توبتهم ؛ حتى لا ييئس إنسان من فضل الله ورحمته وقد فتح الله أبواب التوبة لكل تائب من اليهود أو من غيرهم ، وقد خصت الآية عمل السوء بجهالة ؛ لأن المذنب عادة يكون واقعا تحت جهالة الشهوة أو الشباب أو الإغراء ، ؟ وليس معناه : أن من عمل السوء بدون جهالة لا يغفر الله له ، بل الآية تعبر عن الواقع والأكثر .

وقال مجاهد :

كل من عصى الله تعالى عمدا أو خطأ ، فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته .

وقال ابن عطية :

الجهالة هنا بمعنى : تعدي الطور ، وركوب الرأس ، لا عدم العلم ، ومنه ما جاء في الخبر : " اللهم ، إني أعوذ بك أن أجهل أو يجهل علي " 72 .

ومنه قول الشاعر :

ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ومعنى الآية :

ثم إن ربك لكثير الغفران والرحمة ، لأولئك الذين أسرفوا على أنفسهم ، بالذنوب أو المعاصي ، أو الشرك أو ركوب مالا يليق ، بسبب الجهالة والطيش والسفه ، ثم ندموا وتابوا توبة صادقة ، وعملوا أعمالا صالحة ، فإن الله يتقبل توبتهم ، ويسجل لهم الحسنات في صحائف أعمالهم ، رأفة ورحمة بهم ، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم }( الحجر : 50 ، 49 ) .

ويقول تعالى : { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما }( الفرقان : 70 ) .

ويقول تعالى : { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } ( البقرة : 222 ) .

ويقول عز شأنه : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم }( الزمر : 53 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ} (119)

{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء } هو ما يسىء صاحبه من كفر أو معصية ويدخل فيه الافتراء على الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه الشرك ، والتعميم أولى { بِجَهَالَةٍ } أي بسببها ، على معنى أن الجهالة السبب الحامل لهم على العمل كالغيرة الجاهلية الحاملة على القتل وغير ذلك ، وفسرت الجهالة بالأمر الذي لا يليق ، وقال ابن عطية : هي هنا تعدى الطور وركوب الرأس لا ضد العلم ، ومنه ما جاء في الخبر «اللهم أعوذ بك من أن أجهل أو يجهل على » وقول الشاعر :

ألا لا يجهلن أحد علينا . . . فنجهل فوق جهل الجاهلينا

نعم كثيراً ما تصحب هذه الجهالة التي هي بمعنى ضد العلم ، وفسرها بعضهم بذلك وجعل الباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال أي ملتبسين بجهالة غير عارفين بالله تعالى وبعقابه أو غير متدبرين في العواقب لغلبة الشهوة عليهم { ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ } أي من بعد ما عملوا ما عملوا ، والتصريح به مع دلالة { ثُمَّ } عليه للتوكيد والمبالغة { وَأَصْلَحُواْ } أي أصلحوا أعمالهم أو دخلوا في الصلاح ، وفسر بعضهم الإصلاح بالاستقامة على التوبة { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } أي التوبة كما قال غير واحد ، ولعل الإصلاح مندرج في التوبة وتكميل لها .

وقال أبو حيان : الضمير عائد على المصادر المفهومة من الأفعال السابقة أي من بعد عمل السوء والتوبة والإصلاح ، وقيل : يعود على الجهالة ، وقيل : على السوء على معنى المعصية وليس بذاك { لَغَفُورٌ } لذلك السوء { رَّحِيمٌ } يثيب على طاعته سبحانه فعلاً وتركاً ، وتكرير { إِنَّ رَبَّكَ } لتأكيد الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه ، والتعرض لوصف الربوبية من المغفرة والرحمة عليهم بتوسطه صلى الله عليه وسلم وكونهم من أتباعه كما مر عنق ريب ، والتقييد بالجهالة قيل : لبيان الواقع لأن كل من يعمل السوء لا يعمله إلا بجهالة .

وقال العسكري : ليس المعنى أنه تعالى يغفر لمن يعمل السوء بجهالة ولا يغفر لمن عمله بغير جهالة بل المراد أن جميع من تاب فهذه سبيله ، وإنما خص من يعمل السوء بجهالة لأن أكثر من يأتي الذنوب يأتيها بقلة فكر في عاقبة الأمر أو عند غلبة الشهوة أو في جهالة الشباب فذكر الأكثر على عادة العرب في مثل ذلك ، وعلى القولين لا مفهوم للقيد .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ} (119)

{ 119 } { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }

وهذا حض منه لعباده على التوبة ، ودعوة لهم إلى الإنابة ، فأخبر أن من عمل سوءا بجهالة بعاقبة ما تجني عليه ، ولو كان متعمدا للذنب ، فإنه لا بد أن ينقص ما في قلبه من العلم وقت مفارقة الذنب . فإذا تاب وأصلح بأن ترك الذنب وندم عليه{[465]} وأصلح أعماله ، فإن الله يغفر له ويرحمه ، ويتقبل توبته ويعيده إلى حالته الأولى أو أعلى منها .


[465]:- كذا في ب، وفي أ: عزم.