تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا} (81)

78

المفردات :

زهق : أي : زال واضمحل . من زهق روحه يزهق ؛ إذا خرج .

التفسير :

81- { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } .

{ وقل جاء الحق } . أي : الإسلام { وزهق الباطل } أي : اضمحل الشر من زهقت ؛ نفسه إذا خرجت .

أمره الله أن يقول ذلك : استبشارا ؛ بقرب الظفر والنصر وترهيبا للمشركين !

{ إن الباطل كان زهوقا } . أي : مضمحلا غير ثابت في كل وقت .

تلك حقيقة لدنية يقررها القرآن بصيغة التوكيد . وإن بدا للنضرة الأولى أن للباطل صولة ودولة ، فالباطل ينتفخ وينفش ؛ لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة ، ومن ثم يحاول أن يموه على العين ، وأن يبدوا عظيما كبيرا ضخما راسخا ، ولكنه هش سريع العطب ، كشعلة الهشيم ، ترتفع في الفضاء عاليا ثم تخبو سريعا وتستحيل إلى رماد ، بينما الجمرة الذاكية تدفئ وتنفع وتبقى ، وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء .

{ إن الباطل كان زهوقا } ، ومن ورائه الشيطان ومن ورائه السلطان . ولكن وعد الله أصدق وسلطان الله أقوى وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان ، إلا وذاق معه حلاوة الوعد ، وصدق العهد ، ومن أوفى بعهده من الله ؟ ومن أصدق من الله حديثا ؟ ! {[472]} .

تنبيه :

قال القاسمي :

سياق هذه الآيات مع ما سبقها أعني : قوله تعالى : { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } يدل على أن نزولها في أوقات الاهتمام للهجرة إلى المدينة ، ومبارحة مكة وأنه تعالى أمر نبيه بأن يبتهل إليه في تيسير هجرته وإخراجه من بلده ، وأن يجعل له حماية من لدنه تعز جانبه وتعصمه ممن يرومه بسوء .

وأسلوب التنزيل العزيز في مثل هذا الدعاء هو إرادة الخبر بحصول المدعو ، ومشيئة الله بوقوعه عن قرب . ولذلك عقبه بقوله : { وقل جاء الحق وزهق الباطل } ؛ إعلاما بأن الأمر قد تم ، والفرج جاء ودحر الباطل ورجع إلى أصله ، وهو العدم{[473]} .

أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما ، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ){[474]} وفي رواية للطبراني والبيهيقي عن ابن عباس : أنه صلى الله عليه وسلم جاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم فيها فيخر لوجهه فيقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) حتى مر عليها كلها .

قال في الإكليل : فيه استحباب تلاوة هذه الآية عند إزالة المنكر .


[472]:- في ظلال القرآن بقلم: سيد قطب 15/63.
[473]:- تفسير القاسمي 10/3976.
[474]:- جاء الحق وزهق الباطل. رواه البخاري في المظالم (2478)، وفي المغازي (4287) وفي التفسير (4760)، ومسلم في الجهاد والسير (1781)، وأحمد (3574) والترمذي في التفسير (3138) وقال: هذا حديث حسن صحيح وفيه: عن ابن عمر، ورواه مسلم في الجهاد والسير (1780)، وأحمد (10565) من حديث أبي هريرة.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا} (81)

{ وَقُلْ جَاء الحق } الإسلام والدين الثابت الراسخ .

والجملة عطف على جملة { قُلْ } أولا واحتمال أنها من مقول القول الأول لما فيها من الدلالة على الاستجابة في غاية البعد .

{ وَزَهَقَ الباطل } أي زال واضمحل ولم يثبت الشرك والكفر وتسويلات الشيطان من زهقت نفسه إذا خرجت من الأسف . وعن قتادة أن الحق القرآن والباطل الشيطان ، وعن ابن جريج أن الأول الجهاد والثاني الشرك وعن مقاتل الحق عبادة الله تعالى والباطل عبادة الشيطان وهذا قريب مما ذكرنا .

/ { إِنَّ الباطل } كائناً ما كان { كَانَ زَهُوقًا } مضمحلاً غير ثابت الآن أو فيما بعد أو مطلقاً لكونه كان لم يكن ، وصيغة فعول للمبالغة .

أخرج الشيخان وجماعة عن ابن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : { جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا } { جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد } [ سبأ : 49 ] ، وفي رواية الطبراني في الصغير . والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم جاء ومعه قضيب فجعل يهوى به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول : { جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا } حتى مر عليها كلها .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَقُلْ } إذا زالت نقطة الغين عن العين { جَاء الحق } أي ظهر الوجود الثابت وهو الوجود الواجبي { وَزَهَقَ الباطل } [ الإسراء : 81 ] وهو الوجود الإمكاني ، ففي الحديث الصحيح أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : إلا كل شيء ما خلا الله باطل . . . ويقال الحق العلم والباطل الجهل والحق ما بدا من الإلهام والباطل هو أجس النفس ووساوس الشيطان .

وقال فارس : كا ما يحملك على سلوك سبيل الحقيقة فهو حق وكل ما يحجبك ويفرق عليك وقتك فهو باطل

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا} (81)

وقوله : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ } والحق هو ما أوحاه الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فأمره الله أن يقول ويعلن ، قد جاء الحق الذي لا يقوم له شيء ، وزهق الباطل أي : اضمحل وتلاشى .

{ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } أي : هذا وصف الباطل ، ولكنه قد يكون له صولة وروجان إذا لم يقابله الحق فعند مجيء الحق يضمحل الباطل ، فلا يبقى له حراك .

ولهذا لا يروج الباطل إلا في الأزمان والأمكنه الخالية من العلم بآيات الله وبيناته .