تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا} (76)

71

المفردات :

ليستفزونك : أي : ليزعجونك بمعاداتهم .

لا يلبثون خلافك : أي : لا يبقون بعدك .

التفسير :

76- { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } .

أي : ولقد حاول كفار مكة أن يزعجوك ويستخفوك بعداوتهم ومكرهم ، فعندما عجز المشركون عن استدراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفتنة حاولوا استفزازه ؛ ليخرجوه من أرض مكة- ولكن الله أوحى إليه : أن يخرج مهاجرا ؛ لما سبق في علمه من عدم إهلاك قريش بالإبادة .

ولو أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنوة وقسرا ؛ لحل بهم الهلاك { وإذا لا يلبسون خلافك إلا قليل } .

قال الطبري : ولو أخرجوك منها لم يلبثوا بعدك فيها إلا قليلا حتى أهلكهم بعذاب عاجل{[444]} .

قال الطبري : واختلف أهل التأويل في الذين كادوا أن يستفزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليخرجوه من الأرض ، وفي الأرض التي أرادوا أن يخرجوه منها فقال بعضهم : الذين كادوا أن يستفزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليهود ، والأرض التي أرادوا أن يخرجوه منها : المدينة{[445]} .

وقال النيسابوري :

وروى عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر

إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم ، وقالوا : يا أبا القاسم ، إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة ، وكانت مهاجر إبراهيم فلم خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك ، وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم ، فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة أو بذي الحليفة ؛ حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام ؛ لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع ، وعلى هذا القول تكون هذه الآية مدنية{[446]} .

وقال قتادة ومجاهد : بل كان القوم الذين فعلوا ذلك قريشا ، والأرض أرض مكة{[447]} .

ونحن نرجح أن الآية مكية ، ونرى أن الرواية التي أوردها النيسابوري عن ابن عباس تثير في النفس بعض التساؤل ؟

فكيف يعسكر الرسول صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة عازما على الخروج إلى الشام ؟

وهل بلغت به السذاجة أن يترك قاعدة الإسلام في المدينة ويذهب مختارا إلى الشام من أجل كيد اليهود وحيلهم ؟

ونحن لا ننكر قدرة اليهود على الدس والخداع .

ولا نستبعد أن يميل النبي صلى الله عليه وسلم إلى حديثهم برهة أو لحظة ، ثم لا يلبث أن ينكشف أمامه الأمر .

أما أن يصل الأمر إلى حد الخروج من المدينة والعزم على السفر إلى الشام فهذا ما نستبعده ؛ لما عرف واشتهر من صدق فراسة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعد نظره ورجاحة عقله وسلامة تفكيره .

وقد رجح الطبري- شيخ المفسرين- أن الآية مكية لا مدنية فبعد أن روى الطبري عدة روايات منها ما يفيد أن الآية مكية ، ومنها ما يفيد أن الآية مدنية عقّب على هذه الروايات بقوله :

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول قتادة ومجاهد ( أي : بأن الآية مكية ) وذلك أن قوله { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } في سياق خبر الله عز وجل عن قريش وذكره إياهم ولم يجر لليهود قبل ذلك ذكر فيوجه قوله : وإن كادوا إلى أنه خبر عنهم ، فهو بأن يكون خبرا عمن جرى له ذكر أولى من غيره{[448]} .

ثم إن تاريخ الدعوة الإسلامية ، ونصوص القرآن الكريم تفيد : أن المسلمين كانوا مستضعفين في مكة ، معرضين للعذاب والمصادرة .

وهذا الوضع يغري الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج والمهاجرة ، أما وضعهم في المدينة فقد كان مستقرا نسبيا ؛ إذ آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ووضع أساس الدولة الجديدة ، وقاد غزوات ناجحة ، وعقد معاهدات لحسن الجوار مع جيرانه من اليهود .

كل هذا يرجح أن القوم الذين هموا بإخراجه هم قريش وأن الأرض التي كاد أن يخرج منها هي مكة .

وفي سورة الأنفال ( وهي مدنية نزلت سنة 2 هجرية ) يقول القرآن : { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } . ( الأنفال : 26 ) .

وقد قال المفسرون : إن هذه الآية تشير إلى ضعف المسلمين وقلتهم في مكة ، وإلى عزتهم وقوتهم بالمدينة ، خصوصا بعد النصر المبين الذي أحرزوه في غزوة بدر الكبرى .


[444]:- تفسير الطبري 15/89 ط بولاق.
[445]:- تفسير الطبري 15/89 ط بولاق.
[446]:- تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 15/72، 73.
[447]:- تفسير الطبري.
[448]:- تفسير الطبري 15/90 ط بولاق.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا} (76)

{ وَإِن كَادُواْ } أي أهل مكة كما روي عن ابن عباس . وقتادة . وغيرهما { لَيَسْتَفِزُّونَكَ } ليزعجونك ويستخفونك بعداوتهم ومكرهم { مّنَ الأرض } أي الآرض التي أنت فيها وهي أرض مكة { لِيُخْرِجُوكَ } أي ليتسببوا إلى خروجك { مِنْهَا } وكان هذا الاستفزاز بما فعلوا من حصره صلى الله عليه وسلم في الشعب والتضييق عليه عليه الصلاة والسلام ووقع ذلك بعد نزول الآية كما في «البحر » وصار سبباً لخروجه صلى الله عليه وسلم مهاجراً .

{ وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ } أي إن استفزوك فخرجت لا يبقون { خلافك } أي بعدك وبه قرأ عطاء بن رباح واستحسن أنها تفسير لا قراءة لمخالفتها سواد المصحف وأنشدوا :

عفت الديار خلافهم فكأنما . . . بسط الشواطب بينهن حصيرا

وقرأ أهل الحجاز . وأبو بكر . وأبو عمرو { خَلْفَكَ } بغير ألف والمعنى واحد واللفظان في الأصل من الظروف المكانية فتجوز فيهما واستعملا للزمان وقد اطرد إضافتهما كقبل وبعد إلى أسماء الأعيان على حذف مضاف يدل عليه ما قبله أي لا يلبثون خلف استفزازك وخروجك { إِلاَّ قَلِيلاً } أي إلا زماناً قليلاً ، وجوز أن يكون التقدير إلا لبثاً قليلاً والمعنيان متقاربان ، واختير التقدير الأول لأن التوسع أعني إقامة الوصف مقام الموصوف بالظرف أشبه ، وهذا وعيد لهم بإهلاك مجموعهم من حيث هو مجموع بعد خروجه صلى الله عليه وسلم بقليل وتحقق بإفناء البعض في بدر لا سيما وقد كانوا صناديدهم والرؤوس ، وأنت تعرف أن معظم الشيء يقام مقام كله ، وكان الزمان القليل على ما روى ابن أبي حاتم عن السدي ثمانية عشر شهراً ، ويجوز أن يفسر الإخراج بالإكراه على الخروج والوعيد بإهلاك كل واحد منهم أي لو أخرجوك لاستؤصلوا على بكرة أبيهم لكن لم يقع المقدم لأن الإكراه على الخروج مباشرة وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً بأمر ربه عز وجل فلم يقع التالي وهذا هو التفسير المروى عن مجاهد قال : أرادت قريش ذلك ولم تفعل لأنه سبحانه أراد استبقاءها وعدم استئصالها ليسلم منها ومن أعقابها من يسلم فأذن لرسوله عليه الصلاة والسلام بالهجرة فخرج بإذنه لا إخراج قريش وقهرهم ، والإخراج في قوله تعالى : { وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ } [ محمد : 13 ] محمول على المعنى الأول ، وكذا في قول ورقة : يا ليتني كنت جذعاً إذ يخرجك قومك وقوله عليه الصلاة والسلام " أو مخرجي هم " فلم تتضمن الآية وكذا الخبر إثبات إخراج قلنا بنفيه هنا ، والقول بأنه يلزم على هذا التناقض بين هذه الآية والآية السابقة بناءً على تفسير الإخراج فيها بالتسبب إلى الخروج لأن كاد تدل على مقاربته لا حصوله وهذه الآية دلت على حصوله مجاب عنه بأن قصارى ما دلت عليه الآية السابقة على التفسير الأول قرب حصول الاستفزاز منهم ليتسببوا به إلى خروجه صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن حاصلاً وقت نزول الآية لا أنه لا يكون حاصلاً أبداً ليناقض حصوله بعد .

وحكى الزجاج أن استفزازهم ما أجمعوا عليه في دار الندوة من قتله صلى الله عليه وسلم والمراد من الآرض وجه البسيطة مطلقاً ، وقال أبو حيان : المراد بها على هذا الدنيا ، وقيل ضمير { كَادُواْ } وما بعده لليهود ، فقد أخرج ابن أبي حاتم . والبيهقي في الدلائل . وابن عساكر عن عبد الرحمن بن غنم قال : إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إن كنت نبياً فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء فصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام ما قالوا فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى : { وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ } إِلَى { تَحْوِيلاً } [ الإسراء : 67 ، 77 ] وأمره بالرجوع إلى المدينة وقال فيها محياك وفيها مماتك ومنها تبعث ، وفي رواية أنهم قالوا : يا أبا القاسم إن الشام أرض مقدسة وهي أرض الأنبياء فلو خرجت إليها لآمنا بك وقد علمنا أنك تخاف الروم فإن كنت نبياً فاخرج إليها فإن الله تعالى سيحميك كما حمى غيرك من الأنبياء فخرج عليه الصلاة والسلام بسبب قولهم وعسكر بذي الحليفة وأقام ينتظر أصحابه فنزلت هذه الآية فرجع صلى الله عليه وسلم ثم إنه عليه الصلاة والسلام قتل منهم بني قريظة وأجلى بني النضير بقليل . وتعقب بأنه ضعيف لم يقع في سيرة ولا كتاب يعتمد عليه ، وذو الحليفة ليس في طريق الشام من المدينة وكيفما كان يكون المراد من الآرض عليه المدينة ، وقيل أرض العرب ، وكأن من ذهب إلى أن هذه الآية مدنية يستند إلى ما ذكر من الروايات ، وقد صرح الخفاجي بأن هذا المذهب غير مرضي والله تعالى أعلم .

وقرأ عطاء { لاَّ يَلْبَثُونَ } بضم الياء وفتح اللام والباء مشددة . وقرأ يعقوب كذلك إلا أنه كسر الباء وقرأ أبي { وَإِذاً لاَّ * يَلْبَثُواْ } بحذف النون وكذا في مصحف عبد الله ، وتوجيه الإثبات والحذف أن النحويين عدوا من جملة شروط عمل إذن كونها في أول الجملة فعلى قراءة الحذف تكون الجملة معطوفة على جملة { لَيَسْتَفِزُّونَكَ } وهي خبر كاد فيكون الشرط منخرماً لتوسطها حينئذٍ في الكلام لكون ما بعدها خبر كاد كالمعطوف هو عليه ، وعلى قراءة الإثبات تكون الجملة معطوفة على جملة { وَإِن كَادُواْ } فيتحقق الشرط والعطف لا يضر في ذلك ، ووجه أبو حيان الإهمال بأن { لاَّ يَلْبَثُونَ } جواب قسم محذوف أي والله إن استفزوك فخرجت لا يلبثون وقد توسطت إذا بين القسم المقدر والفعل فأهملت ثم قال ويحتمل أن يكون لا يلبثون خبراً لمبتدأ محذوف يدل عليه المعنى تقديره وهم إذاً لا يلبثون فتكون إذاً واقعة بين المبتدأ وخبره ولذلك ألغيت وكلا التوجيهين ليس بوجيه كما لا يخفى .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا} (76)

{ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا } أي : من بغضهم لمقامك بين أظهرهم ، قد كادوا أن يخرجوك من الأرض ، ويجلوك منها .