مخلصا له الدين : مفردا بالعبادة فلا تشرك بعبادته أحدا .
2- { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين } .
الله تعالى يخبر نبيّه صلى الله عليه وسلم ويخبر النّاس أجمعين من خلاله ، أنه سبحانه الذي أنزل الكتاب على رسوله بالحق والصدق ، مشتملا على شرائع الإسلام وعباداته ومعاملاته ، وهي شرائع نافعة مفيدة ، ما تمسكت بها أمة إلا صعدت إلى مدارج العلياء ، وما حادت عنها أمة إلا هوت إلى الحضيض ، وقد أمر الله رسوله بإخلاص العبادة لله وحده ، وتجريد العبادة عن كل شريك ، وإخلاص النية لله سبحانه ، فهو أغنى الأغنياء عن الشرك .
وفي الحديث القدسي : " من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه " {[583]} .
وقد كان العرب يتخذون أصناما على شكل تماثيل للملائكة والأنبياء والصالحين ، ويدّعون أن الله أعظم وأكبر من أن يتجهوا إليه بالعبادة مباشرة ، فهو يتقربون إلى تماثيل الأولياء والصالحين ، رجاء أن يشفعوا لهم عند الله ، وأن يكونوا وسطاء عند الله في تقريبهم إليه ، ولذلك تكررت آيات القرآن في نفي الشفاعة عن هذه الأصنام ، وبيان أن الله واحد أحد لا شريك له ، وأن أحدا من الأصنام والأوثان لا يشفع عند الله إلا بإذنه ، وهو سبحانه يحبط بهذه المعبودات ، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، وأن ملكه يشمل السماوات والأرض ، وسهل هين يسير عليه حفظ الكون كله ، فهو قريب من عباده ، ولا يحتاج إلى واسطة أو شريك ، نجد ذلك واضحا في آية الكرسي : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم } . ( البقرة : 255 ) .
وروى الحسن ، عن أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، لا يقبل الله شيئا شورك فيه " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ألا لله الدين الخالص . . . } .
وقوله تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } بيان لكونه نازلاً بالحق وتوطئة لما يذكر بعد . وفي «إرشاد العقل السليم » أنه شروع في بيان المنزل إليه وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل وكونه من عند الله تعالى ، وإياً ما كان لا يتكرر مع ما تقدم ، نعم كان الظاهر على تقدير كون المراد بالكتاب هناك القرءان الإتيان بضميره ههنا إلا أنه أظهر قصداً إلى تعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه .
وقال ابن عطية : الذي يظهر لي أن الكتاب الأول عام لجميع ما تنزل من عند الله تعالى والكتاب الثاني خاص بالقرآن فكأنه أخبر إخباراً مجرداً أن الكتب الهادية الشارعة تنزيلها من الله عز وجل وجعله توطئة لقوله سبحانه . { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } اه وهو كما ترى ، والباء متعلقة بالإنزال وهي للسببية أي أنزلناه بسبب الحق أي إثباته وإظهاره أو بمحذوف وقع حالاً من المفعول وهي للملابسة أي أنزلناه ملتبساً بالحق والصواب ، والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتماً ، وجوز كون المحذوف حالاً من الفاعل أي أنزلناه ملتبسين بالحق أي في ذلك ، والفاء في قوله تعالى : { فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين } لترتيب الأمر بالعبادة على إنزال الكتاب إليه عليه الصلاة والسلام بالحق أي فاعبده تعالى ممحضاً له الدين من شوائب الشرك والرياء حسبما بين في تضاعيف ما أنزل إليك ، والعدول إلى الاسم الجليل مما يلائم هذا الأمر أتم ملاءمة . وقرأ ابن أبي عبلة { الدين } بالرفع كما رواه الثقاة فلا عبرة بإنكار الزجاج ، وخرج ذلك الفراء على أنه مبتدأ خبره الظرف المقدم للاختصاص أو لتأكيده . واعترض بأنه يتكرر مع قوله تعالى : { أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص } .
ومن باب الإشارة : في بعض الآيات : { فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين } [ الزمر : 2 ] أي اعبده تعالى بنفسك وقلبك وروحك مخلصاً ، وإخلاص العبادة بالنفس التباعد عن الانتقاص ، وإخلاص العبادة بالقلب العمى عن رؤية الأشخاص ، وإخلاص العبادة بالروح نفي طلب الاختصاص . وذكر أن المخلص من خلص بالجود عن حبس الوجود .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدعو الناس إلى قبول هذا الكتاب ، وإلى العمل بهداياته ، فقال - تعالى - : { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق . . } . : أى : هذا الكتاب هو تنزيل من عند الله - تعالى - الغاب على كل شئ . والحكيم فى أقواله وأفعاله . وقد أنزله - سبحانه - عليك - يا محمد - تنزيلا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، أو ما يشبه الباطل ، وذلك يوجب قبوله والعمل بكل ما فيه .
قال الآلوسى : قوله - تعالى - : { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق } بيان لكونه نازلا بالحق ، وتوطئة لما يذكر بعد . . أو شروع فى بيان المنزل إليه ، وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل . . والباء متعلقة بالإِنزال ، وهى للسببية ، أى : أنزلناه بسبب الحق ، أى : إثباته وإظهاره . أو بمحذوف وقع حالا من المفعول وهى للملابسة . أى : أنزلناه ملتبسا بالحق والصواب . والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتما .
والفاء فى قوله - تعالى - : { فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين } لترتيب ما بعدها على ما قبلها . والعبادة : أقصى درجات التذلل والخضوع للمعبود - عز وجل - والإِخلاص معناه : أن يقصد المسلم بعبادته وقوله وعمله وجه الله - تعالى - .
أى : أنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - هذا الكتاب بالحق الذى لا يشوبه باطل ، وما دام الأمر كذلك فعليك أن تخلص لربك عبادتك وطاعتك ودينك إخلاصا تاما ، لا يحوم حوله رياء أو تفاخر ، أو غير ذلك مما يتنافى مع إخلاص الخضوع لله - تعالى - وحده .
قال الشوكانى : وفى الآية دليل على وجوب النية ، وإخلاصها من الشوائب لأن الإِخلاص من الأمور القلبية التى لا تكون إلا بأعمال القلب ، وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر فى الأقوال والأفعال النية ، كما فى حديث : " إنما الأعمال بالنيات " وحديث : " لا قول ولا عمل إلا بنية " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.