{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ 100 } .
الرجس : يطلق على القذر حسيا كان أو معنويا ، ومن المعنى : الذنب ، والكفر ، وكل يصح أن يراد هنا وقد يطلق على العذاب والشك وغير ذلك .
100 { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ . . . } الآية .
تأتي هذه الآية ؛ تأكيدا للمعنى الوارد في الآية السابقة ؛ فقد خلق الإنسان ويسر له أسباب الهداية ومن سنن الله تعالى أنه يسر الإيمان والهداية ، لمن أخذ في الأسباب واستخدم عقله وفطرته ، وتابع ذلك بالتأمل والنظر والتفكر والتأمل ، قال تعالى : { إن في خلق السماوت والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } . ( آل عمران : 190 ، 191 ) .
أما من أعرض عن الهدى ، ولم يستخدم عقله وفكره ، ولم يتأمل في هذا الكون ونظامه وبديع صنعته ؛ فإن الله يسلب عنه الهدى والتوفيق ، ويسحب منه المعونة والتسيير إلى الهداية ؛ لأنه ليس أهلا لها .
{ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } . فإيمان أي نفس متوقف على هداية الله ومشيئته ومعونته .
قال تعالى : { قل إن الهدى هدى الله } . ( آل عمران : 73 ) .
وقال سبحانه : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } . ( الإنسان : 30 ) .
بيد أن هذه المشيئة عادلة ، فلا تسلب الهدى إلا عن أعمى عن الحق ، أصم عن سماع صوت الإيمان والخير ، قال تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } . ( الأعراف : 179 ) .
{ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } .
لقد يسر الله الإيمان لمن اختار الهداية والرشاد ؛ فيسر الله الإيمان بإذن الله أما من غالب صوت الحق ، وأنكر دعوة الخير ؛ فإن الله يجعل الخذلان والخزي على الذين لا يعقلون ولا يتدبرون إذ هم لخطل رأيهم يرجحون الكفر على الإيمان ، والفجور على التقوى .
{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ } بيان لتبعية إيمان النفوس التي علم الله تعالى إيمانها لمشيئته تعالى وجوداً وعدماً بعد بيان الدوران الكلي عليها كذلك ، وقيل : هو تقرير لما يدل عليه الكلام السابق من أن خلاف المشيئة مستحيل أي ما صح وما استقام لنفس من النفوس التي علم الله تعالى أنها تؤمن { أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي بمشيئته وإرادته سبحانه ، والأصل في الإذن بالشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه ورفع الحجر عنه ، وجعلوا ما ذكر من لوازمه كالتسهيل الذي ذكره بعضهم في تفسيره ، وخصصت النفس بالصفة المذكورة ولم تجعل من قبيل قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ آل عمران : 145 ] قيل لأن الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما كان لنفس أن تؤمن في حال من أحوالها إلا حال كونها ملابسة بإذنه سبحانه فلا بد من كون الإيمان مما يؤول إليه حالها كما أن الموت حال لكل نفس لا محيص لها عنه فلا بد من التخصيص بما ذكر ، فإن النفوس التي علم الله تعالى أنها لا تؤمن ليس لها حال تؤمن فيها حتى تستثني تلك الحال من غيرها انتهى ، وقد يقال : إن هذا الاستثناء بالنظر إلى النفس التي علم الله تعالى أنها لا تؤمن مفيد لعدم إيمانها على أتم وجه على حد ما قيل في قوله تعالى : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء : 23 ] فكأنه قيل : ما كان لنفس علم الله تعالى أنها لا تؤمن أن تؤمن في حال من الأحوال كسلامة العقل وصحة البدن وغيرهما إلا في حال ملابستها إذن الله تعالى وإرادته أن تؤمن وهي تابعة لعلمه بذلك وعلمه به محال لأنه قد علم نقيضه فيلزم انقلاب العلم جهلاً فتكون إرادته ذلك محالاً فيكون إيمانها محالاً إذ الموقوف على المحال محال . وفي «الحواشي الشهابية » أن { مَا كَانَ } إن كان بمعنى ما وجد احتاج إلى تقييد النفس بمن علم أنها تؤمن وإن كان بمعنى ما صح لا يحتاج إليه ولذا ذكره من ذكره وتركه من تركه وفيه خفاء فتأمل { وَيَجْعَلُ الرجس } أي الكفر كما في قوله تعالى : { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] بقرينة ما قبله ، وأصله الشيء الفاسد المستقذر وعبر عنه بذلك لكونه علماً في الفساد والاستقذار ، وقيل : المراد به العذاب وعبر عنه بذلك لاشتراكهما في الاستكراه والتنفر ، وأن إرادة الكفر منه باعتبار أنه نقل أولاً عن المستقذر إلى العذاب للاشتراك فيما ذكر ثم أطلق على الكفر لأنه سببه فيكون مجازاً في المرتبة الثانية ، واختار الإمام التفسير الأول تحاشياً مما في إطلاق المستقذر على عذاب الله تعالى من الاستقذار وبعض الثاني لما أن كلمة { على } في قوله تعالى : { عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } أي لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات أو لا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع تأبى الأول .
وتعقب بأن المعنى يقدره عليهم فلا إباء ، ويفسر { الذين لاَ يَعْقِلُونَ } بما يكون به تأسيساً كما سمعت في تفسيره ، ومنه تعلم أن الفعل منزل منزلة اللازم أوله مفعول مقدر ، وقد يفرق بين التفسيرين بأنهم على الأول لم يسلبوا قوة النظر لكنهم لم يوفقوا لذلك وعلى الثاني بخلافه والأمر الآتي ظاهر في الأول ، والجملة معطوفة على مقدر كأنه قيل : فيأذن لهم بالإيمان ويجعل الخ أو فيأذن لبعضهم بذلك ويجعل الخ . وقرىء { الرجز } بالزاي ؛ وقرأ حماد . ويحيى عن أبي بكر { وَنَجْعَلُ } بالنون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.