السلطان : التسلط والتصرف بالإغواء .
{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } .
أي : ليس لك يا إبليس تصرف أو تسلط على عبادي المخلصين ؛ فهم في حصن من إيمانهم ، وإخلاصهم لربهم ، وهم في يقين وقوة تحفظهم من وسوستك ، لكن من اتبعك واختار طريقك ؛ صار أهلا لغوايتك .
ونلاحظ أن هذه سنة إلهية ، وقاعدة ربانية محكمة ، التزم بها الخالق سبحانه ، وهي : حفظ المتقين ، ورعاية المخلصين ، وتوفيق المؤمنين ، فشيطانهم ضعيف هزيل ، عاجز عن استمالتهم ؛ بسبب قوة إيمانهم ، أما ضعاف الإيمان ، وعبيد الشهوات ، ومرضى القلوب ، فهؤلاء أسرى للشيطان ، وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه : { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون *إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } . ( النحل : 99 ، 100 ) .
ونحو الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس : { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } . ( إبراهيم : 22 ) .
لقد خلق الله الإنسان ، وزوده بالإرادة والعزيمة ، ويسر له طريق الخير ، وأرشده إلى الاستعانة بالله ، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، فمن لجأ إلى الله ، واحتمى بحصنه ؛ فذلك هو المؤمن المخلص ، ومن ضعف عن الحق ؛ سقط في طريق الرذيلة ، وصار من أتباع الشيطان وقد علمنا القرآن أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، قال تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } . ( النحل : 98 ) .
أي : اطلب من الله أن يعيذك منه ، وأن يحفظك من وسوسته وإغوائه ، وفي آخر سورة من القرآن الكريم ، نجد قوله تعالى : { قل أعوذ برب الناس*ملك الناس* إله الناس*من شر الوسواس الخناس*الذي يوسوس في صدور الناس*من الجنة والناس } . ( الناس : 1 6 ) .
{ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } أي تسلط وتصرف بالاغواء والمراد بالعباد المشار إليهم بالمخلصين فالإضافة للعهد ، والاستثناء على هذا في قوله تعالى :
{ إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } منقطع واختار ذلك غير واحد ، واستدل عليه بسقوط الاستثناء في الإسراء ، وجوز أن يكون المراد بالعباد العموم والاستثناء متصل والكلام كالتقرير لقوله : { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ الحجر : 40 ] ولذا لم يعطف على ما قبله ، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء .
وفي الآية دليل لمن جوز استثناء الأكثر وإلى ذلك ذهب أبو عبيد . والسيرافي . وأكثر الكوفية ، واختاره ابن خروف . والشلوبين . وابن مالك ، وأجاز هؤلاء أيضاً استثناء النصف ، وذهب بعض البصرية إلى أنه لا يجوز كون المستثنى قدر نصف المستثنى منه أو أكثر ويتعين كونه أقل من النصف واختاره ابن عصفور . والآمدي وإليه ذهب أبو بكر الباقلاني من الأصوليين ، وذهب البعض الآخر من علماء البلدين إلى أنه يجوز أن يكون المخرج النصف لما دونه ولا يجوز أن يكون أكثر وإليه ذهب الحنابلة ، واتفق النحويون كما قال أبوحيان وكذا الأصوليون عند الإمام . والآمدي خلافاً لما اقتضاه نقل القرافي عن المدخل لابن طلحة على أنه لا يجوز أن يكون المستثنى مستغرقاً للمستثنى منه ، ومن الغريب نقل ابن مالك عن الفراء وجواز له على الف إلا ألفين ، وقيل : إن كان المستثنى منه عدداً صريحاً يمتنع فيه النصف والأكثر وإن كان غير صريح لا يمتنعان ، وتحقيق هذه المسألة في الأصول ، والمذكور في بعض كتب العربية عن أبي حيان أه قال : المستقرأ من كلام العرب إنما هو استثناء الأقل وجميع ما استدل به على خلافه محتمل التأويل ؛ وأنت تعلم أن الآية تدفع مع ما تقدم قول من شرط الأقل لما يلزم عليه من الفساد لأن استثناء الغاوين هنا يستلزم على ذلك أن يكونوا أقل من المخلصين الذين هم الباقون بعد الاستثناء من جنس العباد ، واستثناء المخلصين هناك يستلزم أن يكونوا أقل من الغاوين الذي هم الباقون بعد الاستثناء من ذلك فيكون كل من المخلصين والغاوين أقل من نفسه وهو كما ترى .
وأجاب بعضهم بأن المستثنى منه هنا جنس العباد الشامل للمكلفين وغيرهم ممن مات قبل أن يكلف ولا شك أن الغاوين أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء وهم المخلصون ومن مات غير مكلف والمستثنى منه هناك المكلفون إذ هم الذين يعقل حملهم على الغواية والضلال إذ غير المكلف لا يوصف فعله بذلك والمخلصون أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء أيضاً ولا محذور في ذلك ، وذكر بعضهم أن الكثرة والقلة الإدعائيتين تكفيان لصحة الشرط فقد ذكر السكاكي في آخر قسم الاستدلال وكذا لا تقول لفلان على ألف إلا تسعمائة وتسعين إلا وأنت تنزل ذلك الواحد منزلة الألف بجهة من الجهات الخطابية مع أنه ممن يشترط كون المستثنى أقل من الباقي اه ، وظاهر كلام الأصوليين ينافيه ، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً على تقدير إرادة الجنس أيضاً ويكون الكلام تكذيباً للملعون فيما أوهم أن له سلطاناً على من ليس بمخلص من عباده سبحانه فإن منتهى قدرته أن يغرهم ولا يقدر على جبرهم على اتباعه كما قال :
{ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } [ إبراهيم : 22 ] .
فحاصل المعنى أن من اتبعك ليس لك عليهم سلطان وقهر بل أطاعوك في الإغواء واتبعوك لسوء اختيارهم ولا يضر في الانقطاع دخول الغاوين في العباد بناء على ما قالوا من أن المعتبر في الاتصال والانقطاع الحكم ، ويفهم كلام البعض أنه يجوز أن تكون الآية تصديقاً له عليه اللعنة في صريح الاستثناء وتكذيباً في جعل الإخلاص علة للخلاص حسبما يشير إليه كلامه فإن الصبيان والمجانين خلصوا من إغوائه مع فقد هذه العلة .
{ وَمِنْ } على جميع الأوجه المذكورة لبيان الجنس أي الذين هم الغاوون . واستدل الجبائي بنفي أن يكون له سلطان على العباد على رد قول من يقول : إن الشيطان يمكنه صرع الناس وإزالة عقولهم ، وقد تقدم الكلام في إنكار المعتزلة تخبط الشيطان والرد عليهم
( ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } [ الحجر : 42 ] أي الذي يناسبونك في الغوايم والبعد
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.