الولي : من يلي أمرك أو يملكك كالمولى .
107- ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير( 265 ) . لما ذكر في الآية السابقة أنه تعالى على كل شيء قدير ذكر هنا ما هو كالدليل على ذلك وهو أنه تعالى له ملك السماوات والأرض واستشهد على ذلك بعلم كل ذي علم .
والمعنى : أنه سبحانه مالك لجميع الكائنات العلوية والسفلية وهو سبحانه المتصرف كما يشاء في ذواتها وأحوالها . وأنه سبحانه يتصرف في أمورهم ويجريها على حسب ما يصلحهم ، وهو أعلم بما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ .
والخطاب هنا للمؤمنين يحمل رائحة التحذير ، ورائحة التذكير بأن الله هو وليهم وناصرهم وليس لهم من دونه ولي ولانصير .
وقوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير . يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء فله الخلق والأمر ، وهو المتصرف . فكما خلقهم كما يشاء ، ليسعد من يشاء ، ويشقى من يشاء ، ويصح من يشاء ويمرض من يشاء ، ويوفق من يشاء ويخذل من يشاء ، كذلك يحكم في عباده بما يشاء ، فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويحظر ما يشاء ، وهو الذي يحكم ما يريد ، لا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى ، فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره ، واتباع رسله في تصديق ما أخبروا : وامتثال ما أمروا به ، وترك ما عنه زجروا ، وفي هذا المقام رد عظيم ، وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله في دعوى استحالة النسخ ، إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا ، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا . وقال الإمام أبو جعفر الطبري : فتأويل الآية : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري ، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء وأنهى عما أشاء وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذا أشاء ، وأقر فيهما ما أشاء .
ثم قال : وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته ، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة ، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام .
وعلق ابن كثير على كلام الطبري بقوله :
قلت : الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد في فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى ، لأنه يحكم ما يشاء ، كما يفعل ما يريد ، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية ، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ، ثم حرم ذلك ، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ، ثم نسخ حل بعضها ، وكان نكاح الأختين مباح لإسرائيل وبنيه ، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها ، وأشياء كثيرة يطول ذكرها ، هم يعترفون بذلك ويصدقون عنه ، أو ما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية ، فلا يصرف الدلالة في المعنى ، إذ هو المقصود ، كما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والأمر بإتباعه فإنه يفيد وجوب متابعته عليه السلام وأنه لا يقبل عمل إلا شريعته وسواء قيل : إن الشرائع المتقدمة مغياة إلى بعثته عليه السلام ، فلا يسمى ذلك نسخا ، كقوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل . أو قيل إنها مطلقة . وإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسختها ، فعلى كل تقدير فوجوب متابعته ، لأنه جاء في بكتاب هو آخر الكتب عهدا بالله تبارك وتعالى( 266 ) .
{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض } أي قد علمت أيها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر ، والاستيلاء الباهر ، المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي إيجاداً وإعداماً ، وأمراً ونهياً حسبما تقتضيه مشيئته ، لا معارض لأمره ، ولا معقب لحكمه ، فمن هذا شأنه كيف يخرج عن قدرته شيء من الأشياء ؟ ! فيكون الكلام على هذا كالدليل لما قبله في إفادة البيان ، فيكون منزلاً منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح ، فلذا ترك العطف وجوّز أن يكون تكريراً للأول وإعادة للاستشهاد على ما ذكر ، وإنما لم تعطف { إن } مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها رَوْماً لزيادة التأكيد وإشعاراً باستقلال العلم بكل منهما وكفاية في الوقوف على ما هو المقصود ، وخص السموات والأرض بالملك لأنهما من أعظم المخلوقات الظاهرة ، ولأن كل مخلوق لا يخلو عن أن يكون في إحدى هاتين الجهتين فكان في الاستيلاء عليهما إشارة إلى الاستيلاء على ما اشتملا عليه ، وبدأ سبحانه بالتقرير على وصف القدرة لأنه منشئاً لوصف الاستيلاء والسلطان ، ولم يقل جل شأنه : إن لله ملك الخ قصداً إلى تقوي الحكم بتكرير الإسناد .
{ وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } عطف على الجملة الواقعة خبراً ل ( أن ) داخل معها حيث دخلت ، وفيه إشارة إلى تناول الخطاب فيما قبل للأمة أيضاً ، و{ مِنْ } الثانية صلة فلا تتعلق بشيء ، و{ مِنْ } الأولى : لابتداء الغاية وهي متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مدخول { مِنْ } الثانية : وهو في الأصل صفة له فلما قدم انتصب على الحالية وفي «البحر » أنها متعلقة بما تعلق به { لَكُمْ } وهو في موضع الخبر ؛ ويجوز في : ( ما ) أن تكون تميمية وأن تكون حجازية على رأي من يجيز تقدم خبرها إذا كان ظرفاً أو مجروراً والولي المالك ، والنصير المعين ، والفرق بينهما أن المالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل ، والمعين قد يكون مالكاً وقد لا يكون بل يكون أجنبياً والمراد من الآية الاستشهاد على تعلق إرادته تعالى بما ذكر من الإتيان بما هو خير من المنسوخ أو بمثله ، فإن مجرد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصوله ألبتة ، وإنما الذي يستدعيه كونه تعالى مع ذلك ولياً نصيراً لهم ، فمن علم أنه تعالى وليه ونصيره لا ولي ولا نصير له سواه يعلم قطعاً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوض أمره إليه تعالى ، ولا يخطر بباله ريبة في أمر النسخ وغيره أصلاً .
( ومن باب الإشارة ) :{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ } [ البقرة : 107 ] عالم الأرواح وأرض الأجساد وهو المتصرف فيهما بيد قدرته بل العوالم على اختلافها ظاهر شؤون ذاته ومظهر أسمائه وصفاته فلم يبق شيء غيره ينصركم ويليكم
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.