( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير( 109 ) وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعلمون بصير( 110 )(
فاعفوا واصفحوا : العفو : ترك العقوبة على الذنب ، والصفح ترك اللوم عليه ، وهو أبلغ من العفو ، إذ قد يعفو ولا يصفح .
حتى يأتي الله بأمره : بإذنه ومعونته .
تجدوه عند الله : تجدوا ثوابه عنده .
1- قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا . بيان للون من ألوان الشرور التي يضمرها أهل الكتاب ، وعلى رأسهم اليهود ، وهو تمنيهم ارتداد المسلمين عن دينهم الحق الذي أنقذهم الله منه ، وإنما أسند سبحانه هذا التمني الذميم إلى الكثرة منهم ، إنصافا للقلة المؤمنة التي لم ترض أن ينتقل المسلمون إلى الكفر بعد أن هداهم الله على الإسلام .
2- يشير قوله تعالى : حسدا من عند أنفسهم : إلى أن تمني كفر المؤمنين لم يكن له من سبب أو علة سوى الحسد الذي استولى على نفوس اليهود ، واستحوذ على قلوبهم فجعلهم يحسدون المؤمنين على نعمة الإيمان ، ويتمنون التحول عنه إلى الكفر ، والجملة الكريمة علة لما تضمنته الجملة السابقة من محبتهم نقل المؤمنين إلى الكفر .
( والحسد ) : قلق النفس لرؤية نعمة يصيبها الإنسان ، وينشأ عن هذا القلق تمني زوال تلك النعمة عن الغير ، وتمني زوال النعم مذموم بكل لسان ، إلا نعمة أصابها فاجر أو جائر يستعين بها على الشر والفساد ، فأن تمني زوالها كراهة للجور والفساد لا يدخل في قبيل الحسد المذموم ، فإن لم تتمن زوال النعمة عن شخص وإنما تمنيت لنفسك مثلها فهي الغبطة والمنافسة ، وهي محمودة لأنها تنتهي بالشخص إلى اكتساب محامد لولا المنافسة لظل في غفلة عنها ، والحسد قد يهجم على الإنسان ولا يكون في وسعه دفعه لشدة النفرة بينه وبين المحسود ، وإنما يؤاخذ الإنسان على رضاه به ، وإظهار ما يستدعيه من القدح في المحسود ، والقصد إلى إزالة النعمة عنه ) ( 271 ) .
وفي الحديث الشريف : «ثلاث لا ينجو منهن أحد : الحسد والطيرة ، والظن ، قيل : فما المخرج منهن يا رسول الله ؟ قال : إذا حسدت فلا تبغ ، وإذا تطيرت فلا ترجع ، وإذا ظننت فلا تتبع » ( 272 ) .
فهذه الأشياء تهجم على الإنسان ، والمؤمن مطالب بألا يسترسل فيها فإذا حسد أو أحس ببوادر الحسد فلا ينبغي له العدوان أو القدح أو البغي على المحسود .
وإذا تطير وتشاءم من شيء فلا يرجع ولا يسترسل في تشاؤمه بل يقل : «اللهم لا يأتي بالخير إلا أنت ، ولا يذهب السوء إلا أنت اللهم اكفني السوء بما شئت إنك على ما تشاء قدير » .
وإذا ظن الإنسان بآخر فلا يسترسل في تتبعه ، ولا يتابعه بالتجسس عليه ، وبذلك يسلم المسلم من بوادر هذه الأمور الثلاثة حيث يوقفها عند حدها ، ولا يسمح لها بالتعدي على الآخرين .
3- قوله تعالى : من بعد ما تبين لهم الحق . يدل على أن محبة اليهود لتحويل المؤمنين من الكفر إلى الإيمان وقعت بعد أن ظهر لهم صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد أن تبين لهم أن الصفات التي وردت في التوراة بشأن النبي المبشر به ، لا تنطبق عليه ، وإذا فكفرهم به لم يكن عن جهل وإنما كان عن عناد وجمود على الباطل ، ذلك هو الشأن أحبارهم الذين كانوا على علم بالتوراة ، وتبشيرها بالنبي صلى الله عليه وسلم .
4- قوله تعالى : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير . أي لا تعاقبوهم ولا تلوموهم حتى يأذن الله بالقتال في الوقت الذي يختاره لكم ، وقد أنزل الله تعالى بعد ذلك الإذن بقتال اليهود في قوله : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية على يد وهم صاغرون . ( التوبة : 29 ) . كما أذن بإجلائهم عن المدينة .
5- قال السيد رشيد رضا في تفسير المنار :
قال الأستاذ الإمام : وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قتلهم هم أصحاب القدرة والشوكة ، لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه ، كأنه يقول :
لا يغرنكم أيها المؤمنين كثرة أهل الكتاب مع باطلهم ، فإنكم على قتلكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق ، فعاملوهم معاملة القوي العادل ، للقوى الجاهل ، وفي إنزال المؤمنين على ضعفهم منزلة الأقوياء ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء ، إيذان بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية ، وأن العزة لهم ما ثبتوا على حقهم ، ومهما يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذي يصرع الباطل كما قلنا غير مرة ، وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه( 273 ) .
{ وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب } وهم طائفة من أحبار اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد : ألم تروا إلى ما أصابكم ، ولو كنتم على الحق لما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم ، رواه الواحدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه . وروي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا ذلك لحذيفة رضي الله تعالى عنه من حديث طويل ، ذكر الحافظ ابن حجر أنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث .
{ لَوْ يَرُدُّونَكُم } حكاية لودادتهم ، وقد تقدم الكلام على ( لو ) هذه فأغنى عن الإعادة { مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا } أي مرتدين ، وهو حال من ضمير/ المخاطبين يفيد مقارنة الكفر بالرد فيؤذن بأن الكفر يحصل بمجرد الارتداد مع قطع النظر إلى ما يرد إليه ، ولذا لم يقل لو يردونكم إلى الكفر ، وجوز أن يكون حالاً من فاعل ( وَدّ ) واختار بعضهم أنه مفعول ثان ليردونكم على تضمين الرد معنى التصيير إذ منهم من لم يكفر حتى يرد إليه فيحتاج إلى التغليب كما في { لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا } [ الأعراف : 88 ] على أن في ذلك يكون الكفر المفروض بطريق القسر وهو أدخل في الشناعة ، وفي قوله تعالى : { مِن بَعْدِ } مع أن الظاهر عن لأن الرد يستعمل بها تنصيص بحصول الإيمان لهم ، وقيل : أورد متوسطاً لإظهار كمال فظاعة ما أرادوه وغاية بعده عن الوقوع إما لزيادة قبحه الصاد للعاقل عن مباشرته ، وإما لممانعة الإيمان له كأنه قيل : من بعده إيمانكم الراسخ ، وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفي .
{ حَسَدًا } علة لِوَدّ لا ليردونكم لأنهم يودون ارتدادهم مطلقاً لا ارتدادهم المعلل بالحسد ، وجوزوا أن يكون مصدراً منصوباً على الحال أي حاسدين ولم يجمع لأنه مصدر ، وفيه ضعف لأن جعل المصدر حالاً كما قال أبو حيان لا ينقاس . وقيل : يجوز أن يكون منصوباً على المصدر والعامل فيه محذوف يدل عليه المعنى أي حسدوكم حسداً وهو كما ترى .
{ مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة إما للحسد أي حسداً كائناً من أصل نفوسهم فكأنه ذاتي لها ، وفيه إشارة إلى أن بلغ مبلغاً متناهياً ، وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم ، وإما للوداد المفهوم من ( وَدّ ) أي وداداً كائناً من عند أنفسهم وتشهيهم لا من قبل التدبر والميل إلى الحق ، وجعله ظرفاً لغواً معمولاً لِوَدّ أو ( حسداً ) كما نقل عن مكي يبعده أنهما لا يستعملان بكلمة ( من ) كما قاله ابن الشجري .
{ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق } بالنعوت المذكورة في التوراة والمعجزات وهذا كالدليل على تخصيص الكثير بالأحبار لأن التبين بذلك إنما كان لهم لا للجهال ، ولعل من قال : إن الودادة من عوامهم أيضاً لئلا يبطل دينهم الذي ورثوه وتبطل رياسة أحبارهم الذين اعتقدوهم واتخذوهم رؤساء ، فالمراد من الكثير جميعهم من كفارهم ومنافقيهم ويكون ذكره لإخراج من آمن منهم سراً وعلانية يدعي أن التبين حصل للجميع أيضاً إلا أن أسبابه مختلفة متفاوتة وهذا هو الذي يغلب على الظن فإن من شاهد هاتيك المعجزات الباهرة والآيات الزاهرة يبعد منه كيفما كان عدم تبين الحق ومعرفة مطالع الصدق إلا أن الحظوظ النفسانية والشهوات الدنية والتسويلات الشيطانية حجبت من حجبت عن الإيمان وقيدت من قيدت في الخذلان .
{ فاعفوا واصفحوا } العفو ترك عقوبة المذنب ، والصفح ترك التثريب والتأنيب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح ، ولعله مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضاً أو من تصفحت الورقة إذا تجاوزت عما فيها . وآثر العفو على الصبر على أذاهم إيذاناً بتمكين المؤمنين ترهيباً للكافرين .
{ حتى يَأْتِي الله بِأَمْرِهِ } هو واحد الأوامر ، والمراد به الأمر بالقتال بقوله سبحانه : { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر } إلى { وَهُمْ صاغرون } [ التوبة : 9 2 ] أو الأمر بقتل قريظة وإجلاء بني النضير ، وقيل : واحد الأمور ، والمراد به القيامة أو المجازاة يومها أو قوة الرسالة وكثرة الأمة ، ومن الناس من فسر الصفح بالإعراض عنهم وترك مخالطتهم وجعل غاية العفو إتيان آية القتال وغاية الإعراض إتيان الله تعالى أمره ، وفسره بإسلام من أسلم منهم كما قاله الكلبي وليس بشيء لأنه يستلزم أن يحمل الأمر على واحد الأوامر وواحد الأمور ، وهو عند المحققين جمع بين الحقيقة والمجاز ، وعن قتادة والسدي ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم : أن الآية منسوخة بآية السيف ، واستشكل/ ذلك بأن النسخ لكونه بياناً لمدة الانتهاء بالنسبة إلى الشارع ودفعاً للتأبيد الظاهري من الإطلاق بالنسبة إلينا يقتضي أن يكون الحكم المنسوخ خالياً عن التوقيت والتأبيد فإنه لو كان مؤقتاً كان الناسخ بياناً له بالنسبة إلينا أيضاً ولو كان مؤبداً كان بدءاً لا بياناً بالنسبة إلى الشارع والأمر ههنا مؤقت بالغاية وكونها غير معلومة يقتضي أن تكون آية القتال بياناً لإجماله وبذلك تبين ضعف ما أجاب به الإمام الرازي وتبعه فيه كثيرون من أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج الوارد من أن يكون ناسخاً ويحل محل { فاعفوا واصفحوا } إلى أن أنسخه لكم فليس هذا مثل قوله تعالى : { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل } [ البقرة : 187 ] وأما تأييد الطيبي له بحكم التوراة والإنجيل لأنه ذكر فيهما انتهاء مدة الحكم بهما بإرسال النبي الأمي بنحو قوله تعالى : { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ في التوراة والإنجيل } [ الأعراف : 157 ] وكان ظهوره صلى الله عليه وسلم نسخاً فيرد عليه ما في «التلويح » من أن الواقع فيهما البشارة بشرع النبي صلى الله عليه وسلم ، وإيجاب الرجوع إليه وذلك لا يقتضي توقيت الأحكام لاحتمال أن يكون الرجوع إليه باعتبار كونه مفسراً أو مقرراً أو مبدلاً للبعض دون البعض ، فمن أين يلزم التوقيت بل هي مطلقة يفهم منها التأبيد فتبديلها يكون نسخاً ؛ وأجيب عن الاستشكال بأنه لا يبعد أن يقال : إن القائلين بالنسخ أرادوا به البيان مجازاً أو يقال : لعلهم فسروا الغاية بإماتتهم أو بقيام الساعة ، والتأبيد إنما ينافي إطلاق الحكم إذا كان غاية للوجوب ، وأما إذا كان غاية للواجب فلا ، ويجري فيه النسخ عند الجمهور قاله مولانا الساليكوتي إلا أن الظاهر لا يساعده فتدبر .
{ إِنَّ الله على كُلِّ شيء قَدِيرٌ } تذييل مؤكد لما فيهم من سابقه ، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ووعد للمؤمنين بالنصرة والتمكين ، ويحتمل على بعد أن يكون ذكراً لموجب قبول أمره بالعفو والصفح وتهديداً لمن يخالف أمره .