تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} (190)

القتال

{ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين( 190 ) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين( 191 ) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم( 192 ) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين( 193 ) }

المفردات :

سبيل الله : دينه لأنه طريق إلى مرضاته .

يقاتلونكم : أي يتوقع منهم قتالكم .

إن الله لا يحب المعتدين : إن الله لا يرضى عن الذين جاوزوا ما حده الله لهم من الشرائع والأحكام .

190

التفسير :

{ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } .

القتال في الإسلام قتال في سبيل الله ، لإعلاء كلمة الله ونصر دين الله ، والعبرة في الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فقد نزلت الآية في شأن أهل الحديبية تأمرهم بقتال من قاتلهم وهي مع ذلك خطاب لجميع المسلمين تأمر كل واحد أن يقاتل من قاتله ( 88 ) .

والمعنى : وقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله . الذين يبدءونكم بالقتال دفاعا عن أنفسكم وحريتكم في أداء العبادة ، ولا تعتدوا بقتل النساء والصبيان والشيوخ والمسنين ولا بغير ذلك من أنواع الاعتداء كالتخريب وقطع الأشجار ، فإن الاعتداء من السيئات التي يكرهها الله تعالى ولاسيما حين الإحرام وفي أرض الحرم وفي الأشهر الحرم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} (190)

{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } أي جاهدوا لإعزاز دين الله تعالى وإعلاء كلمته فالسبيل بمعنى الطريق مستعار لدين الله تعالى وكلمته لأنه يتوصل المؤمن به إلى مرضاته تعالى ، والظرفية التي هي مدلولة في ترشيح للاستعارة { الذين يقاتلونكم } أي يناجزونكم القتال من الكفار ، وكان هذا على ما روي عن أبي العالية قبل أن أمروا بقتال المشركين كافة المناجزين والمحاجزين فيكون ذلك حينئذ تعميماً بعد التخصيص المستفاد من هذا الأمر مقرراً لمنطوقه ناسخاً لمفهومه أي لا تقاتلوا المحاجزين وكذا المنطوق في النهي الآتي فإنه على هذا الوجه مشتمل على النهي عن قتالهم أيضاً . وقيل : معناه الذين يناصبونكم القتال ، ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم عن المشايخ ، والصبيان والنساء والرهبان فتكون الآية مخصصة لعموم ذلك الأمر مخرجة لمن لم يتوقع منهم وقيل : المراد ما يعم سائر الكفار فإنهم بصدد قتال المسلمين وقصده فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا ، ويؤيد الأول ما أخرجه أبو صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي/ لهم قريش بذلك وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله تعالى الآية ، وجعل ما يفهم من الأثر وجهاً رابعاً في المراد بالموصول بأن يقال المراد به من يتصدى من المشركين للقتال في الحرم وفي الشهر الحرام كما فعل البعض بعيد لأنه تخصيص من غير دليل وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم .

{ وَلاَ تَعْتَدُواْ } أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم فقد اعتديتم رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أو لا تعتدوا بوجه من الوجوه كابتداء القتال أو قتال المعاهد أو المفاجأة به من غير دعوة أو قتل من نهيتم عن قتله قاله بعضهم ، وأيد بأن الفعل المنفي يفيد العموم { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } أي المتجاوزين ما حد لهم وهو كالتعليل لما قبله ومحبته تعالى لعباده في المشهور عبارة عن إرادة الخير والثواب لهم ولا واسطة بين المحبة والبغض بالنسبة إليه عز شأنه وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه فإن بينهما واسطة وهي عدمهما .

( ومن باب الإشارة ) :{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم } من قوى نفوسكم ودواعي بشريتكم فإن ذلك هو الجهاد الأكبر { وَلاَ تَعْتَدُواْ } بإهمالها والوقوف مع حظوظها أو لا تتجاوزوا في القتال إلى أن تضعفوا البدن عن القيام بمراسم الطاعة ، ووظائف العبودية :

*** فرب مخمصة شر من التخم

{ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } [ البقرة : 190 ] الواقفين مع نفوسهم أو المتجاوزين ظل الوحدة وهو العدالة