تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (193)

{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله . . . }

190

المفردات :

يكون الدين لله : أي ويكون دين كل شخص خالصا لله لا أثر لخشية غيره فيه . فلا يفتن بصدره عنه ولا يؤدي فيه ، ولا يحتاج إلى مداهنة ومحاباة ، أو استخفاء ومداراة .

التفسير :

أي قاتلوا المشركين حتى لا تكون لهم قوة يفتنونكم بها في دينكم ، وعليكم أيها المسلمون أن تقاتلوا المشركين وأن تكسروا شوكتهم وأن تقضوا عل جبروتهم حتى تزيلوا هذا الطاغوت من وجه الدعوة الإسلامية ، وحتى يصير الناس أحرارا في عقائدهم ، ويكون دين كل شخص خاصا لله لا أثر فيه لخشية غيره فلا يفتن بصده عنه ولا يؤذي فيه ولا يحتاج غيه إلى مهادنة ومحاباة أو استخفاء ومداراة .

وقد كان المسلمون في مكة مغلوبين على أمرهم ، والمشركون هم أصحاب الحول والقوة ، ثم هاجر المسلمون إلى المدينة وبدأ الجهاد في سبيل الله ، فحطم المؤمنون طواغيت الكفر والضلال ثم فتحوا مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا .

فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين :

أي فإن انتهوا عما كانوا عليه وأذعنوا لتعاليم الإسلام فكفوا عن قتالهم فلا تعتدوا عليهم ، لأن العقوبة والعدوان إنما تكون على الظالمين تأديبا لهم ليرجعوا عن غيهم وظلمهم .

حكمة مشروعية القتال

من هذه الآيات نلمح حكمة مشروعية القتال في الإسلام .

فقد دافع المسلمون دفاعا عن أنفسهم ، وحماية لعقيدتهم ، ودفعا لعدوا المعتدين ، وتمكينا لدين الله في الأرض .

وقد مكث المسلمون في مكة ثلاثة عشر عاما لن يرفعوا سيفا ، ولم يقاتلوا معتديا ، وكان القرآن في مكة ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيأمره بالصبر الجميل ويدعوه إلى الهجر الجميل فيقول سبحانه : ولربك فاصبر . ( المدثر : 7 ) . وكقوله تعالى : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل . ( الأحقاف : 35 )

فلكم هاجر المسلمون إلى المدينة آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، وربى الصحابة تربية إسلامية ، وتقدم المسلمون للدفاع عن أنفسهم فقاتلوا المشركين في غزوات متعددة منها غزوة بدر وأحد والخندق والحديبية ثم فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا ، ولم يكن القتال غاية ولكنه كن وسيلة من وسائل الدفاع ، وسبيلا إلى نشر الدعوة وضرورة للقضاء على أعداء الإسلام ، وإزاحة طواغيت الكفر ، وتمكين كل ذي دين من عبادة ربه حرا طليقا .

قال تعالى : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير*الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز*الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } . ( الحج : 39-31 ) .

قال القرطبي :

قوله تعالى : { وقاتلوا . . . }هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : { ادفع بالتي هي أحسن } . ( المؤمنون : 96 ) .

وقوله : { ليست عليهم بمسيطر } . ( الغاشية : 32 ) .

وقوله : { فاعف عنهم وأصلح } . ( المائدة : 13 ) .

وقوله : { واهجرهم هجرا جميلا } . ( المزمل : 10 ) .

وما كان مثله مما نزل بمكة .

فلما هاجر المسلمون إلى المدينة أمروا بالقتال فنزل : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم . قاله الربيع بن أنس وغيره .

وروى عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا . ( الحج : 39 )

والأول أكثر ، وإن لآية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ومن لم يقاتل من المشركين " ( 91 ) .

* * *

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (193)

{ وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } عطف على { وَقَاتِلُواْ الذين يقاتلونكم } [ البقرة : 190 ] والأول مسوق لوجوب أصل القتال وهذا لبيان غايته ، والمراد من الفتنة الشرك على ما هو المأثور عن قتادة والسدي وغيرهما ، ويؤيده أن مشركي العرب ليس في حقهم إلا الإسلام أو السيف لقوله سبحانه : { تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ } [ الفتح : 6 1 ] { وَيَكُونَ الدين للَّهِ } أي خالصاً له كما يشعر به اللام ، ولم يجيء هنا كلمة كله كما في آية الأنفال لأن ما هنا في مشركي العرب ، وما هناك في الكفار عموماً فناسب العموم هناك وتركه هنا { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } تصريح بمفهوم الغاية فالمتعلق الشرك والفاء للتعقيب { فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين } علة للجزاء المحذوف أقيمت مقامه والتقدير : فان انتهوا وأسلموا فلا تعتدوا عليهم لأن العدوان على الظالمين والمنتهون ليسوا بظالمين ، والمراد نفي الحسن والجواز لا نفي الوقوع ؛ لأن العدوان واقع على غير الظالمين ، والمراد من العدوان العقوبة بالقتل ، وسمي القتل عدواناً من حيث كان عقوبة للعدوان وهو الظلم كما في قوله تعالى : { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ } [ البقرة : 194 ] { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 0 4 ] وحسن ذلك لازدواج الكلام والمزاوجة هنا معنوية ويمكن أن يقال سمي جزاء الظلم ظلماً لأنه وإن كان عدلاً من المجازي لكنه ظلم في حق الظالم من عند نفسه لأنه ظلم بالسبب لإلحاق هذا الجزاء به وقيل : لا حذف والمذكور هو الجزاء على معنى فلا تعتدوا على المنتهين إما بجعل { فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين } بمعنى فلا عدوان على غير الظالمين المكنى به عن المنتهين ، أو جعل اختصاص العدوان بالظالمين كناية عن عدم جواز العدوان على غيرهم وهم المنتهون ، واعترض بأنه على التقدير الأول : يصير الحكم الثبوتي المستفاد من القصر زائداً ، وعلى التقدير الثاني : يصير المكنى عنه من المكنى به ، وجوز أن يكون المذكور هو الجزاء/ ومعنى : الظالمين المتجاوزين عن حد حكم القتال ، كأنه قيل : فان انتهوا عن الشرك فلا عدوان إلا على المتجاوزين عما حده الله تعالى للقتال وهم المتعرضون للمنتهين ، ويؤول المعنى إلى أنكم إن تعرضتم للمتقين صرتم ظالمين وتنعكس الحال عليكم وفيه من المبالغة في النهي عن قتال المنتهين ما لا يخفى وذهب بعضهم إلى أن هذا المعنى يستدعي حذف الجزاء ، وجعل المذكور علة له على معنى : فإن انتهوا فلا تتعرضوهم لئلا تكونوا ظالمين فيسلط الله عليكم من يعدوا عليكم لأن العدوان لا يكون إلا على الظالمين أو فإن انتهوا يسلط عليكم من يعدوا عليكم على تقدير تعرضكم لهم لصيرورتكم ظالمين بذلك ، وفيه من البعد ما لا يخفى فتدبر .

( ومن باب الإشارة ) :{ وقاتلوهم } على دوام الرعاية وصدق العبودية { حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } ولا يحصل التفات إلى السوي { وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ } بتوجه الجمع إلى الجناب الأقدس والذات المقدس { فَإِنِ انتهوا فَلاَ عدوان } [ البقرة : 3 19 ] إلا على المجاوزين للحدود