( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون( 84 ) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنوا ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون( 85 ) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون( 86 ) (
لا تسفكون دماءكم : تريقونها ، بأن يقتل بعضكم بعضا .
1- جعل الله الأمة المتواصلة بالدين وحدة متكاملة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا فإذا اعتدى أحد على أخيه فكأنما يعتدي على نفسه ويضعف نفسه .
ولهذا قال تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم . أي : لا يقتل بعضكم بعضا ولا يخرجه من منزله ولا يظاهر عليه كما قال تعالى :
فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم . ( البقرة : 54 ) وذلك من أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة كما قال عليه الصلاة والسلام : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر . » ( 211 ) .
2- وقال السيد رشيد رضا في تفسير المنار :
وقد أورد سبحانه النهي عن سفك بعضهم دم بعض وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وأوطانهم ، بعبارة تؤكد وحدة الأمة ، وتحدث في النفس أثرا شريفا ، ببعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر ووجدان يتأثر فقال تعالى :
لا تسفكون دماءكم . فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع وانتحر بيده ، وقال تعالى : ولا تخرجون أنفسكم من دياركم . على هذا النسق ، وهذا التعبير المعجز ببلاغته ، خاص بالقرآن الكريم( 212 ) .
{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم } على نحو ما سبق في { لاَ تَعْبُدُونَ } [ البقرة : 38 ] والمراد أن لا يتعرض بعضكم بعضاً بالقتل والإجلاء وجعل قتل الرجل غيره قتل نفسه لاتصاله نسباً أو ديناً ، أو لأنه يوجبه قصاصاً ، ففي الآية مجاز ، إما في ضمير كم حيث عبر به عمن يتصل به أو في { تَسْفِكُونَ } حيث أريد به ما هو سبب السفك . وقيل : معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم ، أو لا تفعلون ما يرديكم ويصرفكم عن لذات الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به/ عن الجنة التي هي داركم ، وليس النفي في الحقيقة جلاء الأوطان بل البعد من رياض الجنان ، ولعل ما يسعده سياق النظم الكريم هو الأول . والدماء جمع دم معروف وهو محذوف اللام وهي ياء عند بعض لقوله :
وواو عند آخرين لقولهم دموان ووزنه فعل أو فعل ، وقد سمع مقصوراً وكذا مشدداً ، وقرأ طلحة وشعيب { تَسْفِكُونَ } بضم الفاء وأبو نهيك بضم التاء وفتح السين وكسر الفاء مشددة وابن أبي إسحق كذلك إلا أنه سكن السين وخفف الفاء { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } أي بالميثاق واعترفتم بلزومه خلفاً بعد سلف ، فالإقرار ضد الجحد ويتعدى بالباء قيل ويحتمل أنه بمعنى إبقاء الشيء على حاله من غير اعتراف به وليس بشيء إذ لا يلائمه حينئذ
{ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } حال مؤكدة رافعة احتمال أن يكون الإقرار ذكر أمر آخر لكنه يقتضيه ، ولا يجوز العطف لكمال الاتصال ولا الاعتراض إذ ليس المعنى وأنتم عادتكم الشهادة بل المعنى على التقييد( {[175]} ) وقيل : وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم جازاً ، وضعف بأن يكون حينئذ استبعاد القتل والإجلاء منهم مع أن أخذ الميثاق والإقرار كان من أسلافهم لاتصالهم بهم نسباً وديناً بخلاف ما إذا اعتبر نسبة الإقرار إليهم على الحقيقة فإنه يكون بسبب إقرارهم وشهادتهم وهو أبلغ في بيان قبيح صنيعهم وادعى بعضهم أن الأظهر : أن المراد أقررتم حال كونكم شاهدين على إقراركم بأن شهد كل أحد على إقرار غيره كما هو طريق الشهادة ولا يخفي انحطاط المبالغة حينئذ .
ومن باب الإشارة في هذه الآيات { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ } بميلكم إلى هوى النفس وطباعها ومتاركتكم حياتكم الحقيقية لأجل تحصيل لذاتكم الدنية ومآربكم الدنيوية { وَلاَ تُخْرِجُونَ } ذواتكم من مقارّكم الروحانية ، ورياضتكم القدسية { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } بقبولكم لذلك { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } [ البقرة : 84 ] عليه باستعداداتكم الأولية وعقولكم الفطرية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.