ومن الأرض مثلهن : خلق مثلهنّ في العدد من الأرض ، يعني سبع أرضين .
يتنزّل الأمر بينهنّ : يجري أمر الله وقضاؤه بينهن ، وينفذ حكمه فيهنّ .
12- { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } .
ما أعظم الخالق ، وما أبدع الصانع ، وما أقوى القدير ، وما أعظم علمه وإحاطته بكل شيء في هذا الكون .
الله تعالى هو الذي خلق سبع سماوات طباقا .
قال تعالى : { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا*وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } . ( نوح : 15-16 ) .
وخلق سبحانه سبع أرضين ، يتنزل وحي الله وأمره ، وقضاؤه وقدره ، وحكمه ومشيئته ، بين السماوات السبع والأرضين السبع .
فهو سبحانه حافظ الكون ومدبّره ، وممسك بزمامه ، وهو كامل القدرة والعلم ، فاعلموا ذلك وراقبوه في سائر أموركم ، وفي شئون الطلاق ، وما يتصل به من العدة والسكنى والنفقة والإمساك بالمعروف أو المفارقة بالمعروف .
ذُكر لفظ السماوات في القرآن جمعا ، ولفظ الأرض مفردا في سائر القرآن الكريم ، وهذه هي الآية الوحيدة التي تشعر أن ألأرض ربما تكون سبع أرضين .
ومن العلماء من ذهب إلى أن السماء سبع سماوات ، واستدل على ذلك بما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة من أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج ، حيث رأى :
وفي السماء الثانية : يحيى وعيسى ، وهما ابنا الخالة .
وفي السماء الثالثة : يوسف ، وقد أُعطي شطر الحسن .
وفي السماء الرابعة : إدريس ، وقد رفعه الله مكانا عليا .
وفي السماء السابعة : إبراهيم ، عليهم جميعا السلام .
وأما الأرض فهي أرض مفردة ، وأما قوله تعالى : ومن الأرض مثلهن . . . أي في الإحكام والإبداع وحسن التقدير .
واللفظ صالح لأن يراد به سبع سماوات وسبع أرضين ، وهو الأرجح والأقوى ، وصالح لأن يراد به سبع سماوات ، ومن الأرض الواحدة مثلهن في الإبداع والتكامل وعناية الله بالخلق ورعايته .
قال تعالى : { إنّ الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده . . . } ( فاطر : 41 )
وأنا أرى أنه لابد أن تكون هناك حكمة إلهية لا نعرفها نحن الآن ، وقد نعرفها في المستقبل ، من ذكر السماوات جمعا وسبع في القرآن ، وذكر لفظة الأرض مفردة في جميع القرآن ، ما عدا هذه الآية الأخيرة في سورة الطلاق .
{ الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } .
وقد ذهب الإمام ابن كثير إلى أن الأرض سبع ، حيث قال : ومن الأرض مثلهن . أي : سبعا أيضا ، كما ثبت في الصحيحين : " من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين يوم القيامة " xi
وفي صحيح البخاري : " خُسف به إلى سبع أرضين " .
خلاصة ما اشتملت عليه سورة الطلاق
للطلاق آداب ينبغي أن تراعى ، ومن ذلك ما يأتي :
1- ينبغي أن يكون في طهر لم تجامع فيه الزوجة .
2- ينبغي إحصاء ومعرفة مدة العدة ، وبدايتها ونهايتها .
3- ينبغي أن تسكن الزوجة في بيت الزوج فترة العدة .
4- الإمساك بالمعروف ، أو الطلاق مع الإحسان ، وهو إعطاء المطلقة مؤخر الصداق والسكنى والنفقة .
5- وجوب الإشهاد على الزواج والطلاق والرجعة .
6- تقوى الله والتوكل عليه والالتزام بأحكامه ، طريق للسعادة في الدارين .
7- للمطلقة السكنى والنفقة حسب يسار الزوج وإعساره .
8- أهلك الله كثيرا من القرى الظالمين جزاء عنادهم وعتوّهم وكبرهم عن الخضوع لأحكام الله ، فاستحقوا عذاب الدنيا ، ولهم في الآخرة عذب عظيم .
9- ليتق الله كل مؤمن ومؤمنة في مراعاة أحكام الله .
أ- عدة ذوات الأقراء : 3 قروء .
ج- عدة المتوفى عنها زوجها : 3 أشهر وعشرة أيام .
د- عدة الآيسة من الحيض ، وعمرها عادة خمس وخمسون سنة : 3 أشهر .
ه- وكذلك الصغيرة التي لم ينزل عليها دم الحيض ، عدتها : 3 أشهر .
و- هناك طلاق رجعي يستطيع الزوج مراجعة زوجته فيه ما دامت في العدة ، فإذا أتمت العدة فهو طلاق بائن بينونة صغرى ، فإذا كان الطلاق مكملا للثلاث بانت المطلقة بينونة كبرى .
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3331 ) وفي النكاح ( 5186 ) ومسلم في الرضاع ( 1468 ) وأحمد ( 10071 ) والدارمي في النكاح ( 2221 ) من حديث أبي هريرة .
iv كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته :
رواه البخاري في الجمعة ( 893 ) وفي الاستقراض ( 2409 ) وفي العتق ( 2554-2558 ) وفي الوصايا ( 2751 ) وفي النكاح ( 5188-5200 ) وفي الأحكام ( 7138 ) ومسلم في الإمارة ( 1829 ) وأبو داود في الخراج ( 2928 ) والترمذي في الجهاد ( 1705 ) وأحمد في مسنده ( 4481-5145-5867-5990 ) من حديث عبد الله بن عمر .
v روى البخاري في صحيحه أن عبد الله بن عمر طلّق امرأة له وهي حائض ، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتغيظ رسول الله ثم قال : " ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فيطلقها طاهرا قبل ن يمسها ، فتلك العدة لتي أمر بها الله عز وجل " .
ورواه مسلم بلفظ : " . . فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " أي : ذلك معنى قوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) ، أي : طلقوهن مستقبلات لعدتهن ولا يكون ذلك إلا بعد أن تحيض المرأة ثم تطهر ، وهي حالة أرغب ما يكون فيها الرجل ، فإذا طلقها في هذه الحالة دل على عدم رغبته فيها .
vi نصف النساء يكون يأسهن من الحمل بين 45-50 سنة .
ربع النساء يكون يأسهن بين 40-45 سنة .
ثمن النساء يكون يأسهن بين 35-40 سنة .
ثمن النساء يكون يأسهن بين 50-55 سنة .
vii انظر السيوطي في الدر المنثور ، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي ، دار الفكر المعاصر بيروت لبنان ، جزء 28 ص 266 ، والتفسير الوسيط بإشراف الأزهر بمصر ، ومختصر تفسير ابن كثير بتحقيق الصابوني 3/514 ، والحديث أخرجه الحاكم عن جابر ، وأخرجه ابن مردويه والخطيب عن ابن عباس .
viii إن العبد ليحرم الرزق بالذنب :
رواه ابن ماجة في الفتن ( 4022 ) وأحمد في مسنده ( 5/280-282 ) .
تقدم تخرجه انظر هامش ( 105 ) .
رواه مسلم في أثناء حديث طويل من كتاب صلاة المسافرين ، باب جمع صلاة الليل ، ومن نام عنه أو مرض ( 746 ) عن زرارة أن سعد ين هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله ، فقدم المدينة ، فأراد أن يبيع له عقارا به . فيجعله في السلاح والكراع ، ويجاهد الروم حتى يموت ، فلما قدم المدينة ، لقي أناسا من أهل المدينة ، فنهوه عن ذلك ، وأخبروهم أن رهطا أرادوا ذلك في حياة نبي الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم . وقال : " أليس لكم فيّ أسوة " ؟ فلما حدثوه بذلك راجع امرأته . وقد كان طلقها . وأشهد على رجعتها . فأتى ابن عباس فسأله عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ابن عباس : ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من ؟ قال : عائشة . فأْتها فاسألها ، ثم ائتني فأخبرني بردها عليك ، فانطلقت إليها ، فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها . فقال : ما أنا بقاربها لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيهما إلا مضيا ، قال : فأقسمت عليه ، فجاء ، فانطلقنا إلى عائشة ، فاستأذنا عليها فأذنت لنا ، فدخلنا عليها . فقالت : أحكيم ؟ ( فعرفته ) فقال : نعم . فقالت : من معك ؟ قال : سعد بن هشام . قالت : من هشام ؟ قال : ابن عامر . فترحمت عليه . وقالت خيرا . ( قال قتادة : وكان أصيب يوم أحد ) فقلت : يا أم المؤمنين ، أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ألست تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى . قالت : فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كن القرآن . قال : فهممت أن أقوم . . الحديث .
ورواه أحمد مختصرا ( 23460-24139-24629 ) .
xi من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه :
رواه مسلم في المساقاة ( 1610 ) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين " .
{ الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سموات } مبتدأ وخبر { وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ } أي وخلق من الأرض مثلهن على أن { مِثْلَهُنَّ } مفعول لفعل محذوف . والجملة عطف على الجملة قبلها ، وقيل : { مِثْلَهُنَّ } عطف على سبع سماوات ، وإليه ذهب الزمخشري ، وفيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف والمعطوف وهو مختص بالضرورة عند أبي علي الفارسي ، وقرأ المفضل عن عاصم . وعصمة عن أبي بكر { مِثْلَهُنَّ } بالرفع على الابتداء { وَمِنَ الأرض } الخبر .
والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف فقال الجمهور : هي ههنا في كونها سبعاً وكونها طباقاً بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض وفي كل أرض سكان من خلق الله عز وجل لا يعلم حقيقتهم إلا الله تعالى ، وعن ابن عباس أنهم إما ملائكة . أو جن ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم . والحاكم وصححه . والبيهقي في «شعب الإيمان » . وفي الأسماء والصفات من طريق أبي الضحى عنه أنه قال في الآية : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى ، قال الذهبي : إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً . وذكر أبو حيان في البحر نحوه عن الحبر وقال : هذا حديث لا شك في وضعه وهو من رواية الواقدي الكذاب .
وأقول لا مانع عقلاً ولا شرعاً من صحته ، والمراد أن في كل أرض خلقاً يرجعون إلى أصل واحد رجوع بني آدم في أرضنا إلى آدم عليه السلام ، وفيه أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم وغيرهما فينا .
وأخرج ابن أبي حاتم . والحاكم وصححه عن ابن عمر مرفوعاً " أن بين كل أرض والتي تليها خمسمائة عام والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة والصخرة بيد ملك والثانية مسجن الريح والثالثة فيها حجارة جهنم والرابعة فيها كبريتها والخامسة فيها حياتها والسادسة فيها عقاربها والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يد أمامه ويد خلفه يطلقه الله تعالى لمن يشاء " وهو حديث منكر كما قال الذهبي لا يعول عليه أصلاً فلا تغتر بتصحيح الحاكم ، ومثله في ذلك أخبار كثيرة في هذا الباب لولا خوف الملل لذكرناها لك لكن كون ما بين كل أرضين خمسمائة سنة كما بين كل سماءين جاء في أخبار معتبرة كما روى الإمام أحمد . والترمذي عن أبي هريرة قال : " بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه قال : هل تدرون ما فوقكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ، قال : هل تدرون ما بينكم وبينها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : بينكم وبينها خمسمائة عام ، ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : سماء وإن بعد ما بينهما خمسمائة سنة ؛ ثم قال كذلك حتى عد سبع سموات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض ، ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : وإن فوق ذلك العرش بينه وبين السماء بعدما بين السماءين ، ثم قال : هل تدرون ما تحتكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : إنها الأرض ، ثم قال : هل تدرون ما تحت ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : إن تحتها أرضاً أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد صلى الله عليه وسلم سبع أرضين ما بين كل أرضين خمسمائة سنة " والإخبار في تقدير المسافة بما ذكر بين كل سماءين أكثر من الأخبار في تقديرها بين كل أرضين وأصح ، ومنها ما هو مذكور في صحيح البخاري . وغيره من الصحاح ، وفيها أيضاً أن ثخن كل سماء خمسمائة عام فقول الرازي في ذلك إنه غير معتبر عند أهل التحقيق كلام لا يخفي بشاعته على من سلك من السنة أقوم طريق ، نعم ما حكاه من أن السماء الأولى موج مكفوف . والثانية صخر . والثالثة حديد ، والرابعة نحاس . والخامسة فضة . والسادسة ذهب . والسابعة ياقوت ليس بمعتبر أصلاً ولم يرد بما تضمنه من التفصيل خبر صحيح لكن في قوله : إنه مما يأباه العقل إن أراد به نفي الإمكان عقلاً منع ظاهر ، وقال الضحاك : هي في كونها سبعاً بعضها فوق بعض لا في كونها كذلك مع وجود مسافة بين أرض وأرض ، واختاره بعضهم زاعماً أن المراد بهاتيك السبع طبقة التراب الصرفة المجاورة للمركز . والطبقة الطينية . والطبقة المعدنية التي يتكون فيها المعادن . والطبقة الممتزجة بغيرها المنكشفة التي هي مسكن الإنسان ونحوه من الحيوان وفيها ينبت النبات . وطبقة الأدخنة . والطبقة الزمهريرية . وطبقة النسيم الرقيق جداً ، ولا يخفي أنه أشبه شيء بالهذيان ، ومثله ما يزعمه بعض الناظرين في كتب العلوم المسماة بالحكمة الجديدة من أن الأرض انفصلت بسبب بعض الحوادث من بعض الأجرام العلوية صغيرة ثم تكونت فوقها طبقة وهكذا حتى صار المجموع سبعاً ، وزعم أنهم شاهدوا بين كل طبقة وطبقة آثاراً من مخلوقات مختلفة ، وقال أبو طالح : هي في كونها سبعاً لا غير فهي سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض يفرق بينها البحار ، ويظل جميعها السماء ، وروى ذلك عن ابن عباس فالنسبة بين أرض وأرض على هذا نحو نسبة أمريقيا إلى آسيا . أو أوروبا . أو أفريقيا لكن قيل : إن تلك البحار الفارقة لا يمكن قطعها .
وقيل : من الأقاليم السبعة وهي مختلفة الحرارة والبرودة والليل والنهار إلى أمور أخرى ، واختاره بعضهم ولا أظنه شيئاً لأن المتبادر اعتبار انفصال أرض عن أرض انفصالاً حقيقياً في المثلية ، وقيل : المثلية في الخلق لا في العدد ولا في غيره فهي أرض واحدة مخلوفة كالسماوات السبع ، وأيد بأن الأرض لم تذكر في القرآن إلا موحدة ، ورد بأنه قد صح من رواية البخاري وغيره «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن » الحديث ، وكذا صح «من غصب قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين » وأصح الأقوال كما قال القرطبي قول الجمهور السابق ، وعليه اختلف في مشاهدة أهل ما عدا هذه الأرض السماء واستمدادهم الضوء منها فقيل : إنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها .
وقيل : إنهم لا يشاهدون السماء وأن الله عز وجل خلق لهم ضياءاً يشاهدونه ، وروى الإمامية عن بعض الأئمة نحواً مما قاله الجمهور ، أخرج العياشي بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا رضي الله تعالى عنه قال : بسط كفه اليسرى ثم وضع اليمنى عليها فقال : «هذه الأرض الدنيا والسماء الدنيا عليها قبة ، والأرض الثانية فوق السماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبة ، والأرض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة فوقها قبة حتى ذكر الرابعة والخامسة والسادسة فقال : والأرض السابعة فوق السماء السادسة والسماء السابعة فوقها قبة وعرض الرحمن فوق السماء السابعة ، وهو قوله تعالى : { سَبْعَ سموات وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ } » الخ .
وأنا أقول بنحو ما قاله الجمهور راجياً العصمة ممن على محور إرادته تدور أفلاك الأمور : هي سبع أرضين بين كل أرض وأرض منها مسافة عظيمة ، وفي كل أرض خلق لا يعلم حقيقتهم إلا الله عز وجل ولهم ضياء يستضيئون به ، ويجوز أن يكون عندهم ليل ونهار ولا يتعين أن يكون ضياؤهم من هذه الشمس ولا من هذا القمر ، وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار يزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه فليكن ما نقول به من الأرضين على هذا النحو ، وقد قالوا : أيضاً إن هذه الشمس في عالم هي مركز دائرته وبلقيس مملكته بمعنى أن جميع ما فيه من كواكبهم السيارة تدور عليها فيه على وجه مخصوص ونمط مضبوط ، وقد تقرب إليها فيه وتبعد عنها إلى غاية لا يعلمها إلا الله تعالى كواكب ذوات الأذناب ، وهي عندهم كثيرة جداً تتحرك على شكل بيضي وإن الشمس بعالمها من توابع كوكب آخر تدور عليه دوران توابعها من السيارات عليها هو فيما نسمع أحد كواكب النجم ، ولهم ظن في أن ذلك أيضاً من توابع كوكب آخر وهكذا ، وملك الله تعالى العظيم عظيم لا تكاد تحيط به منطقة الفكر ويضيق عنه نطاق الحصر ، وسماء كل عالم كالقمر عندهم ما انتهى إليه هواؤه حتى صار ذلك الجرم في نحو خلاء فيه لا يعارضه ولا يضعف حركته شيء .
والجسم متى تحرك في خلاء لا يسكن لعدم المعارض فليكن كل أرض من هذه الأرضين محمولة بين القدرة بين كل سماءين على نحو ما سمعت عن الرضا على آبائه وعليه السلام ، وهناك ما يستضيء به أهلها سابحاً في فلك بحر قدرة الله عز وجل ونسبة كل أرض إلى سمائها نسبة الحلقة إلى الفلاة وكذا نسبة السماء إلى السماء التي فوقها ، ويمكن أن تكون الأرضون وكذا السماوات أكثر من سبع . والاقتصار على العدد المذكور الذي هو عدد تام لا يستدعي نفي الزائد فقد صرحوا بأن العدد لا مفهوم له والسماء الدنيا منتهى دائرة يتحرك فيها أعلى كوكب من السيارات وبينها وبين هذه الأرض بعد بعيد .
وقوله صلى الله عليه وسلم : «خمسمائة عام » من باب التقريب للإفهام ، ويقرب الأمر إذا اعتبر ذلك بالنسبة إلى الراكب المجد كما وقع في كثير من أخبار فيها تقدير مسافة ، وقوله عليه الصلاة والسلام في السماء الدنيا : «موج مكفوف » يمكن أن يكون من التشبيه البليغ في اللطافة ونحوها أو هو على حقيقته والتنوين فيه للنوعية حتى يقوم الدليل العقلي الصحيح على امتناعها ، وتزيين هذه السماء بالكواكب لظهورها فيها على ما يشاهد فلا يضر في ذلك كونها كلاً أو بعضاً فوقها أو تحتها ، ولم يقم دليل على أن شيئاً من الكواكب مغروز في شيء من السماوات كالفص في الخاتم والمسمار في اللوح ، بل في بعض الأخبار ما يدل على خلافه ، نعم أكثر الأخبار في أمر السماوات والأرض والكواكب لا يعول عليها كما أشار إليه النسفي في بحر الكلام ، وكذا ما قاله قدماء أهل الهيئة ومحدثوهم ، وفي كل مما ذهب الفريقان إليه ما يوافق أصولنا وما يخالفه وما شريعتنا ساكتة عنه لم تتعرض له بنفي أو إثبات ، وحيث كان من أصولنا أنه متى عارض الدليل العقلي الدليل السمعي وجب تأويل الدليل السمعي للدليل العقلي لأنه أصله ولو أبطل به لزم بطلانه نفسه فالأمر سهل لأن باب التأويل أوسع من فلك الثوابت ولا أرى بأساً في ارتكاب تأويل بعض الظواهر المستبعدة بما لا يستبعد وإن لم يصل الاستبعاد إلى حد الامتناع إذا تضمن ذلك مصلحة دينية ولم يستلزم مصادمة معلوم من الدين بالضرورة ، وقد يلتزم الإبقاء على الظاهر وتفويض الأمر إلى قدرة الله تعالى التي لا يتعاصاها شيء رعاية لأذهان العوام المقيدين بالظواهر الذين يعدون الخروج عنها لاسيما إلى ما يوافق الحكمة الجديدة ضلالاً محضاً وكفراً صرفاً ؛ ورحم الله تعالى امرءاً جب الغيبة عن نفسه .
وقد أخرج عبد بن حميد . وابن الضريس . وابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في هذه الآية قال : لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم بتكذيبكم بها ، وبالجملة من صدق بسعة ملك الله تعالى وعظيم قدرته عز وجل لا ينبغي أن يتوقف في وجود سبع أرضين على الوجه الذي قدمناه ، ويحمل السبع على الأقاليم أو على الطبقات المعدنية والطينية ونحوهما مما تقدم ، وليس في ذلك ما يصادم ضرورياً من الدين أو يخالق قطعياً من أدلة المسلمين ، ولعل القول بذلك التعدد هو المتبادر من الآية ، وتقتضيه الأخبار ، ومع هذا هو ليس من ضروريات الدين فلا يكفر منكره أو المتردد فيه لكن لا أرى ذلك إلا عن جهل بما هو الأليق بالقدرة والأحرى بالعظمة ، والله تعالى الموفق للصواب .
{ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ } أي يجري أمر الله تعالى وقضاؤه وقدره عز وجل بينهن وينفذ ملكه فيهن ، وأخرج ابن المنذر . وغيره عن قتادة قال : في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه تعالى وأمر من أمره وقضاء من قضائه عز وجل ، وقيل : { يَتَنَزَّلُ الامر بَيْنَهُنَّ } بحياة وموت وغنى وفقر ، وقيل : هو ما يدبره سبحانه فيهن من عجيب تدبيره جل شأنه ، وقال مقاتل . وغيره : { الامر } هنا الوحي ، و { بَيْنَهُنَّ } إشارة إلى بين هذه الأرض التي هي أدناها وبين السماء السابعة ، والأكثرون على أنه القضاء والقدر كما سبق ، وأن { بَيْنَهُنَّ } إشارة إلى بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها ؛ وقرأ عيسى . وأبو عمرو في رواية ينزل مضارع نزل مشدداً { الامر } بالنصب أي ينزل الله الأمر { لّتَعْلَمُواْ أَنَّ الله على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } متعلق بخلق أو بيتنزل أو بمضمر يعمهما أي فعل ذلك لتعلموا أن من قدر على ما ذكر قادر على كل شيء ، وقيل : التقدير أخبرتكم أو أعلمتكم بذلك لتعلموا ، وقرئ ليعلموا بياء الغيبة .
{ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شيء عِلْمَا } لاستحالة صدور هذه الأفاعيل ممن ليس كذلك .