تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ} (77)

75

المفردات :

فأعقبهم نفاقا : أي : جعل الله عاقبة بخلهم نفاقا ، أو أورثهم البخل نفاقا .

أخلفوا الله ما وعدوه : جعلوا وعدهم لله بالتصدق خلفهم والمراد : أنهم لم يوفوا بما وعدوا الله به من الصدق والصلاح .

التفسير :

77 – { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه . . . . }

أي : صير الله عاقبة أمرهم نفاقا دائما في قلوبهم بمعنى : زادهم نفاقا ، وقيل : أعقبهم ذلك البخل نفاقا ، واستمر ذلك ثابتا متمكنا ملازما في قلوبهم إلى يوم الحساب في الآخرة .

وفي هذا دليل على أنهم ماتوا منافقين .

وهذا دليل آخر على أن المنزل فيه ليس ثعلبة أو حاطب البدريين .

ولو كان ثعلبة تاب وجاء بماله للنبي صلى الله عليه وسلم تائبا : لقبل النبي صلى الله عليه وسلم توبته ، وقبل منه المال .

فالقصة تحتاج إلى نظر ؛ إذ كيف يرد النبي صلى الله عليه وسلم تائبا ، ثم كيف يرفض ذلك أبو بكر مع أنه حارب مانعي الزكاة وكيف يرفضه عمر ؟ .

ولذلك ضعّف علماء الحديث ، قصة سبب نزول الآيات ، التي تفيد : أنها نزلت في ثعلبة ؛ لأسباب تتعلق بسند الحديث ، وأسباب تتعلق بموضوع الحديث .

{ بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } .

أي : أن ملازمة النفاق لهم كان بسببين :

الأولى : إخلافهم العهد عاهدوا الله عليه من التصدق والصلاح .

الثاني : استمرارهم على الكذب في جميع أقوالهم .

وفي معنى هذه الآية ورد في الصحيحين : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان " 120 .

وفي رواية : " وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ} (77)

{ فَأَعْقَبَهُمْ } أي جعل الله تعالى عاقبة فعلهم ذلك { نِفَاقاً } أي سوء عقيدة وكفراً مضمراً { فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } أي الله تعالى ، والمراد بذلك اليوم وقت الموت ؛ فالضمير المستتر في أعقب لله تعالى وكذا الضمير المنصوب في { يَلْقَوْنَهُ } ، والكلام على حذف مضاف ، والمراد بالمفاق بعض معناه وتمامه إظهار الإسلام وإضماء الكفر ، وليس بمراد كما أشرنا إلى ذلك كله ، ونقل الزمخشري عن الحسن . وقتادة أن الضمير اوول للبخل وهو خلاف الظاهر بل قال بعض المحققين : إنه يأباه قوله تعالى :

{ بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } إذ ليس لقولنا أعقبهم البخل نفاقاً بسبب اخلافهم الخ كثير معنى ، ولا يتصور على ما قيل أن يعلل النفاق بالبخل أولاً ثم يعلل بأمرين غيره بغير عطف ، ألا ترى لو قلت : حملني على إكرام زيد علمه لأجل أنه شجاع وجواد كان خلفاً حتى تقول حملني على إكرام زيد علمه وشجاعته وجوده .

وقال الإمام : ولأن غاية البخل ترك بعض الواجبات وهو لا يوجب حصول النفاق الذي هو كفر وجهل فيالقلب كمل في حق كثير من الفساق ، وكون هذا البخل بخصوصه يعقب النفاق والكفر لما فيه من عدم إطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وخلف وعده كما قيل لا يقتضي الأرجحية بل الصحة ولعلها لا تنكر ، واختيار الزمخشري كان لنزغة اعتزالية هي أنه تعالى لا يقضي بالنفاق ولا يخلقه لقاعدة التحسين والتقبيح ، وجوز أن يكون الضمير المنصوب للبخل أيضاً ، والمراد باليوم يوم القيامة ، وهناك مضاف محذوف أي يلقون جزاءه و { مَا } مصدرية .

والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للإيذان بالاستمرار أي بسبب اخلافهم ما وعدوه تعالى من التصدق والصلاح وبسبب كونهم مستمرين على الكذب في جميع المقالات التي من جملتها وعدهم المذكور ، وقيل : المراد كذبهم فيما تضمنه خلف الوعد فإن الوعد وإن كان إنشاء لكنه متضمن للخبر فإذا تخلف كان قبيحاً من وجهين الخلف والكذب الضمني ، وفيه نظر لأن تخصيص بذلك يؤدي إلى تخلية الجمع بين الصيغتين عن المزية ، وقد اشتملت الآية على خصلتين من خصال المنافقين ، فقد أخرج الشيخان . وغيرهما عن أبي هررة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان » ويستفاد من الصحاح آية أخرى له «إذا خاصم فجر » . واستشكل ذلك بأن هذه الخصال قد توجد في المسلم الذي لا شك فيه ولا شبهة تعتريه بل كثير من علمائنا اليوم متصفون بأكثرها أو بها كلها ، وأجيب بأن المعنى أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها يشبه المنافقين في التخلق بها ، والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات الصحيحة

«أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً » أنه كان شديد الشبه بالمنافقين لا أنه كان منافقاً حقيقة .

وقيل : إن الأخبار الواردة في هذا الباب إنما هي فيمن كانت تلك الخصال غالبة عليه غير مكترث بها ولا نادم على ارتكابها ومثله لا يبعد أن يكون منافقاً حقيقة ، وقيل : هي في المنافقين الذين كانوا في زمنه عليه الصلاة والسلام فانهم حدثوا في أيمانهم فكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في النصرة للحق فأخلفوا وخاصموا ففجروا ، وروي هذا عن ابن عباس . وابن عمر ، وهو قول سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، وإليه رجع الحسن بعد أن كان علا خلافه ، قال القاضي عياض : وإليه مال أكثر أئمتنا ، وقيل : كان ذلك في رجل بعينه وهو خارج مخرج قوله صلى الله عليه وسلم : «ما بال أقوام يفعلون كذا » لأناس مخصوصين منعه كرمه عليه الصلاة والسلام أن يواجههم بصريح القول . وحكى الخطابي عن بعضهم أن المقصود من الأخبار تحذير المسلم أن يعتاد هذه الخصال ولعله راجع إلى ما أجيب به أولا ، وبالجلمة يجب على المؤمن اجتناب هذه الخصال فإنها في غاية القبح عند ذوي الكمال :

مساو لو قسمن على الغواني *** لما أمهرن إلا بالطلاق

وقرى { يَكْذِبُونَ } بتشديد الذال .