{ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } .
حسنة الدنيا : هي العافية أو المرأة الصالحة أو الأولاد البررة ، أو العلم والمعرفة .
حسنة الآخرة : هي الجنة أو رؤية الله تعالى والأولى التعميم في كل هذا .
إنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء ثم يطلبون الحسنة في الدارين ولا يحددون نوع الحسنة ، بل يدعون اختيارها لله والله يختار لهم ما يراه حسنة لهم .
قال القرطبي : واختلف في تأويل الحسنتين على أقوال عديدة ، فروى عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أن الحسنة في الدنيا المرأة الحسناء وفي الآخرة الحور العين .
{ وقنا عذاب النار } : المرأة السوء .
وقلت وهذا فيه بعد ولا يصح عن علي لأن النار حقيقة في النار المحرقة وإطلاق المرأة على النار تجوز .
وقال قتادة : حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال . وقال الحسن : حسنة الدنيا العلم والعبادة وقيل غير هذا .
والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعم الدنيا والآخرة ، وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله .
فإن حسنة : نكرة في سياق الدعاء ، فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل ، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع .
وقيل : لم يرد حسنة واحدة ، بل أراد أعطنا في الدنيا حسنة فحذف الاسم( 125 ) .
هذه الآية من جوامع ادعاء لأنها جمعت بين خيرا الدنيا والآخرة .
وفي الصحيحين عن أنس قال : " كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
" اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " قال : فكان أنس إذا أراد أن يدعو دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه( 126 ) .
وقد ذكرت الآيتان من يطلب الدنيا وحدها ، ومن يطلبها في الآخرة ، ولم تذكر من يطلب الآخرة وحدها لأن الدنيا مزرعة الآخرة ، وهي نعم المطية في الجنة ، والضرب في مناكبها طلبا للرزق عبادة والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف .
وفي الآية إيماء إلى أن الغلو في الدين والتشدد فيه مذموم خارج سنن الفطرة وقد نهى الله أهل الكتاب عند وذمهم عليه . ونهى الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
{ وقنا عذاب النار } أي احفظنا من عذابها بالتوفيق للطاعة ، والتنفير من المعصية .
ثم تبين الآية في هذا الصدد أن من خير الدعاء طلب الحسنة في هذه الدنيا وفي يوم القيامة لتقترن السعادتان معا وذلكم هو الخلاق العظيم فقال سبحانه : ( ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) وهذه صورة واضحة ملتئمة تكشف عن طبيعة هذا الدين المتكامل المتوازن المتين الذي يجمع بين الدنيا والآخرة ، أو يجمع بين الواقع المحس المشهود والمثالية العالية الرفافة ، أو يجمع بينا لعادة والروح . وفي ذلك كله من تمام الانسجام الملتئم وكامل الترابط الوثيق ما يجعل الإسلام أكثر العقائد والأديان والفلسفات والنظم ملاءمة للحياة الإنسانية والفطرية والبشرية .
أما الحسنة في الدنيا فإنها تتناول كل خير حلال أباحته الشريعة ورضيه الله للناس ؛ كيما يلذّوا ويستمتعوا به ، ويدخل في إطار الحسنة في الدنيا الزوجة الحسنة الصالحة ، والدار الرحبة الجيدة ، والرزق الواسع الحلال ، والأخلاء الأبرار الودودون ، والعلم الزاخر النافع ، والثناء الصادق الحسن ، وغير ذلك من وجوه الخير والحُسن .
وقد جاء في السنة ما يبين أهمية هذا الدعاء الكريم الجامع ، فقد سئل أنس : أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي ( ص ) قال : يقول : " اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " .
وروي عن أنس أيضا أن رسول الله ( ص ) عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ ، فقال له رسول الله ( ص ) : " هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه ؟ ّ " قال : نعم كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا . فقال رسول الله ( ص ) : " سبحان الله لا تطيقه- أو لا تستطيعه – فهلا تقل : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) " قال : فدعا الله فشفاه .
قوله : ( وقنا عذاب النار ) ( وقنا ) جملة فعلية تتضمن فعل أمر ، والفاعل يعود على لفظ الجلالة والضمير المتصل " نا " في محل نصب مفعول به أول . ( عذاب ) مفعول به ثان . وقنا من الوقاية وهي الصون والحماية . والآية دعاء عظيم يلهج به لسان المؤمن متضرعا إلى ربه ان يحفظه من عذاب النار وأن يمتّن عليه بإدخاله الجنة فيكون من الناجين من العذاب والفائزين بعظيم العطاء والثواب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.