تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (35)

المفردات :

وإن كان كبر عليك : شق عليك .

نفقا : الطريق النافذ ، والسرب في الأرض النافذ فيها ، وله مدخل ومخرج .

أو سلما : السلم الدرج ، مشتق من السلامة لأنه يسلمك إلى الوضع الذي تريده .

الجاهلين : الجهل هنا ضد العلم ، والمراد منه الجهل بما ينبغي العلم به .

التفسير :

وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية . . . الآية .

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكبر عليه إعراض قومه ، ويتعاظمه ويحزن له ، وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يعطي الإنسان الفعل والإرادة والاختيار ، والتنوع في الاستعدادات ، والتنوع في استقبال دلائل الهدى وموجبات الإيمان ، والتنوع في الاستجابة لهذه الدلائل والموحيات ، قال تعالى : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم . ( هود : 118 ، 119 ) .

ومعنى الآية :

وإن كان يا محمد شق عليك إعراض قومك عن الإيمان ، وظننت أن إتيانهم بما اقترحوه من آيات يكون سببا في إيمانهم ، فإن استطعت أن تطلب مسلكا عميقا في جوف الأرض ، أو درجا ترتقى عليه إلى السماء لتأتيهم بما اقترحوا من مطالب فافعل ، فإن ذلك لن يفيد شيئا لأن هؤلاء المشركين لا ينقصهم الدليل الدال على صدقك ، ولكنهم يعرضون عن دعوتك عنادا وجحودا .

ولو شاء الله لجمعهم على الهدى . أي ولو شاء الله هداية الناس جميعا ، لجمعهم على ذلك ، ولكن لم يرد ذلك ، حتى يتحقق معنى التكليف والاختبار و الابتلاء والامتحان ، ويكافأ الإنسان أو يعاقب حسب اختياره بدون قسر أو إجبار ، ولله الحكمة البالغة وهو الحكيم العليم .

فلا تكونن من الجاهلين . بحكمة الله في خلقه وبسنته التي اقتضاها علمه .

قال الإمام الشوكاني : فإن شدة الحرص ، والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة ، قبل أن يأذن الله بذلك هو صنيع أهل الجهل ، ولست منهم .

وقال الأستاذ سيد قطب : من عدل الله تنوع الجزاء على الهدى والضلال لذلك لم يجمعهم الله على الهدى بأمر تكويني ولكنه أمرهم بالهدى ، وترك لهم اختيار الطاعة أو المعصية ، وتلقى الجزاء العادل في نهاية المطاف ، فاعلم ذلك ولا تكن ممن يجهلونه .

ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين . . يا لهول الكلمة ! ويا لحسم التوجيه ! ولكنه المقام الذي يقتضي هول الكلمة وحسم التوجيه .

وفي القرآن الكريم : إنك لتهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء . . . ( القصص : 56 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (35)

قوله : { وإن كان كبرعليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بئاية } يعني إن كان قد عظم عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وانصرافهم عن الإيمان بك وعن تصديقك فيما جئتهم به من الحق فشق ذلك عليك ولم تصبر على ما أصابك من أذاهم فافعل ما بدا لك . فإن استطعت أن تتخذ { نفقا } {[1156]} أي سربا مثل نافقاء اليربوع فتذهب فيه أو تتخذ { سلما } أي مصعدا كالدرج تصعد فيه ثم تأتيهم بعد ذلك بآية أو برهان على صحة دعوتك أفضل مما أتيناك به من الدلائل فافعل .

قوله : { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } أي لو شاء الله أن يجمعهم على ما أنتم عليه من محجة الإسلام فتكونوا جميعا على ملة واحدة لفعل ذلك . وذلك بأن يوفقهم للإيمان فيؤمنوا معكم . لكن الله لم يشأ ذلك لسوء ما اختاره هؤلاء لأنفسهم حسبما علمه الله منهم في أزل الآزال . أو لسابق علمه بأن هؤلاء كائنون من الكافرين اختيارا وليس إجبارا ويرومون ما هو خلافها .

وقيل : لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيب هؤلاء المشركين الظالمين . وما ينبغي لك أن تجزع من إعراضهم عن دين الله ، فإن شدة الأسى والجزع وفرط الإحساس بالضيق ، من صفات الجاهلين . ولا جرم أن يكون مثل هذا الأسلوب من التحذير والتنذير ما يحمل للذهن . بالقطع الجازم أن هذا القرآن من عند الله . وهذه واحدة من ظواهر شتى فريدة تزجي للعاملين بالدليل الكامل على أن القرآن معجز . فإنه ما من عاقل أو كائن أوتي مسكة من عقل يصدق أن عظيما فذا مميزا كمحمد ينذر نفسه بنفسه أو يكله نفسه ثقل التحذير والتنذير .


[1156]:- النفق: سرب في الأرض له مخلص إلى مكان. أو هو السرب النافذ في الأرض وأصله في جحرة اليربوع. ومنه النافقاء والقاصعاء. وذلك أن اليربوع يحفر في الأرض سربا ويجعل له بابين. وقيل: ثلاثة: النافاقاء والقاصعاء والدابقاء. ثم يرق بالحفر ما تقارب وجه الأرض. فإذا نابه أمر دفع تلك القشرة الرقيقة وخرج. انظر الدر المصون ج 4 ص 609 والقاموس المحيط 1196.