تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (45)

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 ) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 48 ) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 49 ) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ( 51 ) }

المفردات :

فئة : جماعة .

45 – { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا . . . } الآية .

هذه الآيات تعلم المسلمين آداب القتال ، وفنون الحرب ، وتحثهم على التخلق بالثبات في النزال ، وعدم التفكير في الهزيمة أو الفرار .

يروى أن معاوية بن أبي سفيان قال :

فكرت في الهزيمة يوم صفين ؛ فتذكرت قول عمرو بن الإطنابة :

أقول لها وقد طارت شعاعا *** من الأبطال : ويحك لن تراع

فإنك لو سألت بقاء يوم *** على الأجل الذي لك لم تطاع

سبيل الموت راحة كل حي *** فداعيه لأهل لأرض داع

ومن لم يعتبط يسأم ويهرم *** وتسلمه المنون إلى انقطاع

وما للمرء خير في حياة *** إذا ما عد من سقط المتاع

ومعنى الآية :

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ، إذا حاربتم جماعة من الكفار ، والتقيتم بهم في ميدان الحرب ، فالواجب عليكم أن تثبتوا في قتالهم ، وتصمدوا للقائهم ، وإياكم والفرار من الزحف ، وتوليتهم الأدبار ، فالثبات فضيلة ، والفرار كبيرة ! .

{ واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } .

وعليكم بذكر الله تعالى ذكرا كثيرا ، والتضرع إليه بالقلب واللسان ، مع اليقين الجازم بأنه سبحانه على كل شيء قدير ، وبيده الخلق والأمر ، كما فعل المؤمنون السابقون من أتباع طالوت ، حيث رغبوا في الثبات ، وتذرعوا بالصبر وأخذوا العدة إلى النصر ، قال تعالى :

{ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء . . . }( البقرة : 25 ، 251 ) .

فالنصر حليف الثبات واليقين ، والرغبة في الشهادة ، والحرص على مرضاة الله : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }( البقرة : 249 ) .

وذكر الله تعالى عون في الشدائد ، وسبيل إلى النصر ، وباب من أبواب الثواب والأجر .

قال تعالى : { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما }( الأحزاب : 35 ) .

وذكر الله سبيل إلى الفلاح والنصر ، وطريق إلى علو الهمة ، واستمداد العون من الله . قال تعالى : { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } .

وهذا يدل على أن ذكر الله تعالى مطلوب في أحوال العبد كلها ، سلما وحربا ، وصحة ومرضا . وإقامة وسفرا ؛ فذكر الله دواء وذكر الناس داء .

من هدى السنة

أخرج البخاري ومسلم في كتاب الجهاد : عن عبد الله بن أبي أوفى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيهل العدو ، انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس فقال : أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ، ثم قال : اللهم منزل الكتاب ، ومجرى الحساب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهمxxxiv .

وجاء في الحديث المرفوع ، يقول الله تعالى : " إن عبدي كل عبدي : الذي يذكرني ، وهو مناجز قرنه " xxxv .

أي : لا يشغله ذلك الحال ، عن ذكري واستعانتي .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (45)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون 45 وأطيعوا الله ورسوله ولا تتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } هذا بيان من الله لعباده المؤمنين ؛ إذ يأمرهم بالثبات عند لقاء العدو . فما يحل لهم أن يفروا من وجه العدو الظالم ولا يضطربوا وينثنوا أو يتخاذلوا وتلين قناتهم . بل عليهم أن يستبسلوا في المواجهة والقراع ، وأن يقاتلوا أعداء الله مع شجاعة وحماسة وجراءة .

إنه ما يجوز للمسلمين . بحال أن يتملكهم الجبن والذعر عند اللقاء في الحرب فيولوا الأدبار ؛ فإنه لا يولي دبره عند لقاء العدو . إلا كل خائر جبان ، غير خليق باحتسابه في فئة المؤمنين الصادقين . بل إن المؤمنين الصادقين أوفياء ثابتون على الحق ، ماضون على أمر الله ودينه ، لا تزعزعهم جحافل الكافرين الأنداد مهما جمعوا وأعدوا وكادوا . ومن أكرم ما يرد في هذا الصدد ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله ابن أبي أوفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال : ( يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسألوه الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم منزل الكتاب ، ومجري السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم ) وفي الخبر عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تتمنوا لقاء العدو واسألوه الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاثبتوا ، واذكروا الله ، فإن صخبوا وصاحوا فعليكم بالصمت ) . وعن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا قال : إن الله يحب الصمت عند ثلاث : عند تلاوة القرآن ، وعند الزحف ، وعند الجنازة ) .

وقد أمر الله المسلمين عند لقاء العدو أن يذكروا الله كثيرا لكي يكونوا من الفالحين الفائزين بالنصر في الدنيا ورضوان الله في الآخرة .

أما ذكر الله عند لقاء : فهو أن يكونوا في كل أحوال القتال ذاكرين الله بألسنتهم معلنين الطاعة والضراعة والإخبات . وأن يذكروه بقلوبهم خاشعين مستسلمين وهم يستنصرونه ويدعونه أنه يظهرهم ويخذل عدوهم .