معروشات : مرفوعات على ما يحملها .
متشابها وغير متشابه : الاشتباه والتشابه : بمعنى واحد ، والمراد به : التقارب في نحو اللون والطعم .
ولا تسرفوا : ولا تجاوزوا الحد في الإنفاق .
وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات . . . الآية .
يلفت القرآن النظر إلى بديع صنع الله في خلقه ، ويعدد النعم ، ويلمس شغاف القلوب ؛ ليحركها نحو النظر إلى بديع صنع الله .
والمعنى : هو الله الذي خلق بساتين مختلفة ، بعضها مرفوعات على ما يحملها من العرائش مثل : الكرم ، وبعض الزروع والبطيخ ، وبعضها متروكات بدون عرائش مثل : النخل وسائر الأشجار .
أي : وأنشأ النخل والزرع . والمراد بالزرع : جميع الحبوب التي يقتات بها ، مختلفا ثمره وحبه : في الهيئة وفي الطعم .
والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه .
أي : وأنشأ – سبحانه وتعالى – الزيتون والرمان : متشابها في الثمر والشكل والهيئة والطعم واللون والحجم ، وغير متشابه في ذلك ؛ إبداعا في الخلق والإعجاز .
أي : كلوا من ثمر تلك الزروع والأشجار التي أنشأها لكم ، شاكرين الله على ذلك ، والأمر هنا للإباحة .
وفائدة التقييد بقوله إذا أثمر . إباحة الأكل قبل النضوج والإدراك من نحو الفول الأخضر والباقلاء والفريك ، للاستمتاع بنعم الله ، والطعام في مراحل نموه المبكرة حيث تكون له نكهة ولذة تستحق الشكر والحمد لله .
قال القرطبي : وفيه أدلة على وجود الله ، وعلى عظيم المنة علينا :
فلو شاء إذا خلقنا ألا يخلق لنا غذاء ، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر ، طيب الطعم ، وإذا خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني ، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء ؛ لأنه لا يجب عليه شيء .
ومن دليل القدرة : أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها ، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأت فيها أوراق ليست من جنسها ، وثمر خارج من صفته : الجرم الوافر ، واللون الزاهر ، والجني الجديد ، والطعم اللذيذ ، فأين الطبائع وأجناسها ، وأين الفلاسفة وأسسها ، هل هي في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان ؟ أو ترتب هذا الترتيب العجيب ؟ كلا ، لا يتم في العقول إلا لحي قادر عالم مريد ، فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية ! .
وءاتو حقه يوم حصاده . قيل : هي في زكاة الزروع والثمار ، والزكاة لم تفرض إلا في المدينة ، فقالوا : هذه الآية مدنية في سورة مكية .
ورأى بعض العلماء أن المراد بهذا الحق : الصدقة بوجه عام على المستحقين لها ، بأن يوزع صاحب الزرع منه عند حصاده ، على المساكين والبائسين ما يسد حاجتهم ، بدون إسراف أو تقتير ، وأصحاب هذا الرأي فسروا هذا الحق بالصدقة الواجبة ، من غير تحديد للمقدار ، وليس بالزكاة المفروضة ؛ لأن الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة ( 8 ) .
ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين .
أي : لا تتجاوزوا الحد في الأكل أو في التصدق ، فخير الأمور الوسط وشر الأمور الشطط .
فلا يجوز أن يشتد البخل ، ولا أن يعظم الإتفاق حتى يترك الإنسان أولاده فقراء .
قال ابن جريج : نزلت في ثابت بن قيس( 9 ) ، قطع خمسمائة نخلة ففرق ثمرها كلها ولم يدخل منه شيئا إلى منزله كقوله تعالى : ولا تبسطها كل البسط . ا . ه .
والإسلام دين وسط لا غلو فيه ولا تفريط ، بل فيه وسطية واعتدال . قال تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا . . ( البقرة : 143 ) وقال تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما . ( الفرقان : 67 ) .
قوله تعالى : { وهو الذي أنشأ جنات } بساتين .
قوله تعالى : { معروشات وغير معروشات } أي : مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات . وقال ابن عباس : معروشات : ما انبسط على وجه الأرض . فانتشر مما يعرش مثل : الكرم والقرع والبطيخ وغيرها . وغير معروشات : ما قام على ساق ونسق ، مثل : النخل والزرع وسائر الأشجار .
وقال الضحاك : كلاهما من الكرم خاصة ، منها ما عرش ومنها ما لم يعرش .
قوله تعالى : { والنخل والزرع } ، أي : وأنشأ النخل والزرع .
قوله تعالى : { مختلفاً أكله } ، ثمره وطعمه ، منها الحلو والحامض ، والجيد ، والرديء . قوله تعالى : { والزيتون والرمان متشابهاً } ، في النظر .
قوله تعالى : { وغير متشابه } ، في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف .
قوله تعالى : { كلوا من ثمره إذا أثمر } ، هذا أمر إباحة .
قوله تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } ، قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم { حصاده } بفتح الحاء ، وقرأ الآخرون بكسرها ومعناهما واحد ، كالصرام والصرام ، والجذار والجذاز . واختلفوا في هذا الحق ، فقال ابن عباس ، وطاووس ، والحسن ، وجابر بن زيد ، وسعيد بن المسيب : إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر . وقال علي ابن الحسين ، وعطاء ، ومجاهد ، وحماد ، والحكم : هو حق في المال سوى الزكاة ، أمر بإتيانه ، لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة . قال إبراهيم : هو الضغث ، وقال الربيع : لقاط السنبل . وقال مجاهد : كانوا يعلقون العذق عند الصرام فيأكل منه من مر . وقال يزيد بن الأصم : كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد ، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فيأخذه . وقال سعيد بن جبير : كان هذا حقاً يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام ، فصار منسوخاً بإيجاب العشر . قال مقسم عن ابن عباس : نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن .
قوله تعالى : { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } ، قيل : أراد بالإسراف إعطاء الكل . قال ابن عباس في رواية الكلبي :عمد ثابت بن قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيء ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . قال السدي : { لا تسرفوا } أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء . قال الزجاج : على هذا إذا أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف ، لأنه قد جاء في الخبر ( أبدأ بمن تعول ) . وقال سعيد بن المسيب : معناه لا تمنعوا الصدقة . فتأويل هذه الآية على هذا لا تتجاوز الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة . وقال مقاتل :لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام . وقال الزهري : لا تنفقوا في المعصية . وقال مجاهد : الإسراف ما قصرت به عن حق الله عز وجل ، وقال : لو كان أبو قيس ذهباً لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفاً ، ولو أنفق درهماً أو مداً في معصية الله كان مسرفاً ، وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف . وروى ابن وهب عن أبي زيد قال : الخطاب للسلاطين ، يقول : لا تأخذوا فوق حقكم .
قوله تعالى : { وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه كلوا من ثمره إذا أثمره وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } يقيم الله في ذلك دلائل من الطبيعة والخلق على تقرير حقيقة التوحيد وعلى قدرة الخالق الجليل الذي صنع هذه الخلائق وأشباهها وأبدع فيها طبيعتها وصفاتها من مختلف الطعوم والمذاقات والأكل بما يقطع في يقين كامل علة وجود الله سبحانه وأنه الإله الأحد المتعالي الذي أوجد كل شيء من لا شيء وعلى غير مثال سبق فقال سبحانه : { وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت } الجنات : البساتين .
والمعروشات ، من العرش وهو أعلى الشيء . وعرش البيت يعني سقفه . واعترش العنب إذا علا على العريش . وعرش الكرم عرشا وعروشا . أي رفع دواليه على الخشب . والكروم المعروشات : ما حمل منها على العريش ، وهو عيدان تصنع على هيئة السقف ليوضع عليها الكرم{[1292]} أما غير المعروشات فما كان من الكرم ممدودا على الأرض غير مرفوع . قال ابن عباس في ذلك : معروشات ما عرش من الكرم ، وغير معروشات ما لم يعرش من الكرم . وفي رواية عنه أخرى أن المعروشات ما عرش الناس وهو ما يغرسونه من بساتين ونحوها . وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمرات .
قوله : { والنخل والزرع مختلفا أكله } النخل والزرع ، معطوف على جنات ، سمي أكلا ، لأنه يؤكل . والمعنى أنه سبحانه خلق النخل والزرع مختلفا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر . يعني مختلفا طعمه فمنه الجيد ومنه دون ذلك .
وقيل : أنشأهما مختلفين في الصورة والمعنى ، أو في الهيئة والكيفية .
قوله : { والزيتون والرمان متشبها وغير متشابه } الزيتون والرمان معطوف على جنات كذلك . متشابها حال منصوب . أي خلق الزتتون والرمان حال كونه متشابها وغير متشابه . واختلف في تأويل { متشبها وغير متشبه } فقيل : المراد في الطعم فمنه الحلو والحامض والمر . وقيل : متشابها في المنظر وغير متشابه في الطعم . فهذه الأنواع من النبات كالنخيل والزرع والزيتون والرمان وغير ذلك من أنواع المغروسات والثمرات على اختلاف أنواعها وهيئاتها ، وتفاوت طعومها ومذاقاتها ، وتباين أصنافها وأحجامها ، كل ذلك ينطق بالبرهان الساطع ، والدليل الأبلج اللامع لكل امرئ عاقل فطين على وجود الله وعلى جلال ملكوته وعظيم سلطانه وجبروته . لا جرم أن ذلك كله من صنع الله وتقديره ليكون ذلك كله أعظم شاهد على وحدانية الخالق الحكيم .
قوله : { كلوا من ثمره إذا أثمر } الأمر في قوله : { كلوا } للإباحة . فقد أباح الله للناس الأكل من ثمر ما غرسوا . وظاهر الآية يدل على إباحة الأكل قبل النضج والينع قوله : { وءاتوا حقه يوم حصاده } اختلفوا في المراد بحقه يوم حصاده على ثلاثة أقوال هي : القول الأول : على أن المراد به الزكاة المفروضة . وهي العشر ونصف العشر لكيفية السقي . فما سقي بماء المطر ففيه العشر ، وما سقي بالسانية – وهي الناقة يستقى عليها – فيقتضي ذلك كلفة مالية ، ففيه نصف العشر . وهو قول فريق من أهل العلم فيهم أنس بن مالك وابن عباس وطاووس والحسن البصري وسعيد بن المسيب . ويفهم من هذا القول أن هذه الآية نزلت في المدينة . وقد تمسك الإمام أبو حنفية بهذه الآية في وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض من النبات ، مطعوما أو غير مطعوم . واستدل على ذلك أيضا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم : " فيما سقت السماء العشر ، وفيما سقي بنضح{[1293]} أو دالية نصف العشر " وتفصيل ذلك في موضعه من تفسير سورة البقرة .
قوله : { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } السرف ، بالتحريك : ضد القصد أو مجاوزته . والإسراف معناه التبذير ومجاوزة القصد . أو ما أنفق في غير طاعة الله{[1294]} .
وثمة تفصيل لأهل التأويل في تأويل الإسراف الذي نهى الله عنه بهذه الآية .
منها : أنه مجاوزة القدر في العطية إلى ما يجحف برب المال . والتقدير : لا تتجاوزوا الحد فتبسطوا أيديكم كل البسط في الإعطاء . وقالوا في هذا الصدد : إنهم كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة ثم تسارفوا . أي تباروا في الإعطاء وأسرفوا فأنزل الله الآية .
وقيل : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، إذ جذ نخلا فقال : لا يأتين اليوم أحد إلا أطعمته . فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة فقال الله : { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } .
ومنها : أن الإسراف المنهي عنه في الآية هو منع الصدقة ( الزكاة ) وتلك معصية كبيرة .
ومنها : أن المراد بالإسراف في الآية هو الأكل من الزرع والثمر قبل الحصاد أو الجذاذ لما في ذلك من إضرار بالفقراء ببخسهم حقهم .
ومنها : أن المراد بالإسراف النفقة في معصية الله .
ومنها : أن الخطاب في الآية للولاة وأهل السلطان ، إذ نهاهم عن الأخذ من الرعية ما ليس لهم أن يأخذوه من أموالهم .
الراجح هنا ، القول بالنهي عن عموم معاني الإسراف من غير تخصيص لواحد من هذه المعاني دون غيره{[1295]} .