تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة العنكبوت

أهداف سورة العنكبوت

سورة العنكبوت مكية ، نزلت بعد سورة الروم ، وآياتها 69 آية ، وقد نزلت سورة العنكبوت في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين بمكة قبل الهجرة ، وكانت هذه الفترة من أقسى الفترات ولذلك تعرضت السورة لتثبيت المؤمنين على الإيمان ، وبيان أن هناك ضريبة يدفعها المؤمن ، هي الفتنة والامتحان بالإيذاء أو بالإغراء أو بالوعد أو بالوعيد .

وتناولت قصص الأنبياء السابقين وجهادهم وبلاءهم ، ثم إهلاك الكافرين وانتصار المؤمنين ، وسميت سورة العنكبوت بهذا الاسم لتكرر ذكر العنكبوت فيها في قوله تعالى : { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } [ العنكبوت : 41 ] .

وفي المصحف المطبوع بالقاهرة والمتداول بين الناس نجد في عنوان السورة : سورة العنكبوت مكية إلا من آية 1 إلى غاية 11 فمدنية .

وقد رجحت اللجنة المشرفة على طبع المصحف الرأي القائل بأن الإحدى عشرة آية الأولى مدنية ، وذلك لذكر الجهاد فيها ، وذكر المنافقين .

وعند التأمل يترجح لدينا أن السورة كلها مكية ، أما تفسير الجهاد فيها فمرجعه أنها ورادة بصدد الجهاد ضد الفتنة ، أي جهاد النفس لتصبر ولا تفتن ، وهذا واضح في السياق ، وكذلك ذكر النفاق فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس .

ثلاثة فصول

الخط الأساسي لسورة العنكبوت هو الحديث عن الإيمان والفتنة ، وعن تكاليف الإيمان الحقة التي تكشف عن معدنه في النفوس ، فليس الإيمان كلمة تقال باللسان ، إنما هو الصبر على المكاره والثبات في المحن .

ومع أن موضوع السورة هو تكاليف الإيمان والثبات في المحنة . . إلا أنه يمكن أن نقسم سورة العنكبوت إلى ثلاثة عناصر لهذا الموضوع أو ثلاثة فصول :

الفصل الأول : من أول السورة إلى الآية 13 .

ويتناول حقيقة الإيمان ، وسنة الابتلاء والفتنة ، ومصير المؤمنين والكافرين ، ثم فردية التبعة فلا يحمل أحد عن أحد شيئا يوم القيامة .

{ وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } [ العنكبوت : 13 ] .

الفصل الثاني : من الآية 14 إلى الآية 45

ويتناول قصص نوح وإبراهيم ولوط وشعيب ، وإشارة إلى قبيلتي عاد وثمود ، ويصور هذا القصص ما وجد من عقبات وفتن في طريق كل دعوة ، ويتحدث عن التهوين من شأن هذه العقبات أمام قوة الإيمان والاعتماد على قدرة الله ، والمضي في تبليغ رسالته وتحمل تبعات هذه الرسالة إحقاقا للحق وإزهاقا للباطل . قال تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . . } [ الأنبياء : 18 ] .

الفصل الثالث : من الآية 46 إلى آخر السورة .

ويتناول النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى ، ويتناول وحدة الدين والعقيدة والإيمان ، واتحاد ذلك مع الدين الخير الذي يجحد به الكافرون ويجادل فيه المشركون ، ويختم بالتثبيت والبشرى والطمأنينة للمجاهدين في الله المهديين إلى سبيله .

ويتخلل السورة من المطلع إلى الختام إيقاعات قوية عميقة حول معنى الإيمان وحقيقته تهز الوجدان هزا ، وتوقفه أمام تكاليف الإيمان وقفة حازمة ، فإما النهوض بها ، وإما النكوص عنها ، وإلا فهو النفاق الذي يفضحه الله .

القصص في سورة العنكبوت

استغرقت الآيات من [ 14-45 ] في الحديث عن قصص الأنبياء ، والتعليق عليه ، وبيان العظة والعبرة منه .

وبدأت بالحديث عن نوح عليه السلام ، فقد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، هي مدة الرسالة وجزء من حياته كان قبل الرسالة ، وجزء منها كان بعد الطوفان وهو عمر مديد ، ولكن نتيجته محدودة فلم يؤمن به إلا قليل من قومه .

ثم ثنى بالحديث عن إبراهيم الخليل صاحب الرسالة الكبرى ، إذ دعا قومه إلى عبادة الله الخالق الرزاق ، ونبذ الأوثان والأصنام ، والتوجه إلى الله الإله الواحد : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه . . } [ العنكبوت : 24 ] .

وفي قصة لوط يتبدى تبجح الرذيلة وسفورها بلا حياء ولا تحرج ، وانحدار البشرية إلى الدرك الأسفل من الانحراف والشذوذ ، مع الاستهتار بالنذير : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } [ العنكبوت : 29 ] .

وفي قصة شعيب مع مدين يتبدى الفساد والتمرد على الحق والعدل فاستحقوا عذاب السماء : { فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } [ العنكبوت : 37 ] .

وتذكر الإشارة إلى عاد وثمود بالاعتزاز بالقوة والبطر بالنعمة ، كما تذكر الإشارة إلى قارون وفرعون وهامان بطغيان المال واستبداد الحكم والتمرد على أمر الله .

وفي النهاية يلقى الظالم حتفه جزاء ظلمه ، وقد تكرر هذا المعنى في سور سابقة وتأكد هنا ليستقر في الأذهان أمام المشركين والظالمين .

قال تعالى : { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [ العنكبوت : 40 ]

وتعقب السورة على هذا القصص بمثل ضربته لهوان قوى الشرك والظلم ، فالباطل مهما علا لا مستقبل له ، والحق مهما امتحن مستقبله هنيء مريء ، قال تعالى : { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } [ العنكبوت : 41 ] .

وينتهي هذا القصص بهوان الشرك وعزة الإيمان ، وبيان قدرة الله الذي يضرب الأمثال ليتعظ بها العقلاء وليفهمها العلماء ، قال تعالى : { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } [ العنكبوت : 43 ] .

الدرس الأخير في سورة العنكبوت

يستغرق الدرس الأخير في السورة ربعا كاملا من الآية 46 إلى الآية 61 والسورة بدأت بإعلان ثقل تكاليف الإيمان ، وتعرض المؤمنين للبلاء والامتحان ، ثم ذكرت قصص الأنبياء وبلاءهم من عهد نوح .

وفي هذا الدرس الأخير يبين القرآن وحدة الرسالات في الهدف ، فالرسالات كلها من عهد نوح والرسل من بعده إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم دعوة واحدة من عند إله واحد ، ذات هدف واحد هو إصلاح العقيدة وتهذيب السلوك ورد البشرية الضالة إلى قوانين الله العادلة ، وأن المؤمنين بكل رسالة إخوة للمؤمنين بسائر الرسالات : كلهم أمة واحدة تعبد إلها واحدا ، وأن البشرية في جميع أجيالها صنفان اثنان : صنف المؤمنين وهم حزب الله ، وصنف المشاقين وهم حزب الشيطان .

ولقد ختم الجزء العشرون في القرآن بآية شهيرة تدعو إلى تلاوة الكتاب وقراءة القرآن وإقامة الصلاة ، هي قوله تعالى : { اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } [ العنكبوت : 45 ] .

وبدأ الجزء الحادي والعشرون بالحديث عن هذا الكتاب ، العلاقة بينه وبين الكتب السابقة ، ويأمر المسلمين ألا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، لبيان حكمة مجيء الرسالة الجديدة والكشف عما بينها وبين الرسالات قبلها من صلة –إلا الذين ظلموا منهم وبدلوا في كتبهم وانحرفوا إلى الشرك ، والشرك ظلم عظيم- ودعت الآية المؤمنين أن يعلنوا إيمانهم بالدعوات كلها وبالكتب جميعها ، فهي حق من عند الله يصدق ما معهم من القرآن والإسلام . قال تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } [ العنكبوت : 46 ] .

ثم يحذر القرآن المشركين من استعجالهم بعذاب الله ، ويهددهم بمجيئه بغتة ، ويصور لهم قربه منهم ، وإحاطة جهنم بهم ، ويصف حالهم يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ثم يلتفت إلى المؤمنين الذين يتلقون الفتنة والإيذاء في مكة يحضهم على الهجرة بدينهم إلى الله ليعبدوه وحده ، يلتفت إليهم في أسلوب عجيب ، يعالج كل هاجسة تخطر في ضمائرهم ، وكل معوق يقعد بهم ، ويقلب قلوبهم بين أصابع الرحمان في لمسات تشهد بأن منزل هذا القرآن هو خالق هذه القلوب ، فما يعرف مساربها ومداخلها الخفية إلا خالقها اللطيف الخبير الذي تكفل برزق كل دابة في كل مكان وزمان .

وينتقل من هذا التعجب من حال أولئك المشركين ، وهم يتخبطون في تصوراتهم ، فيقرّون لله سبحانه بخلق السماوات والأرض ، وتسخير الشمس والقمر ، وإنزال الماء من السماء وإحياء الأرض الموات ، وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله وحده مخلصين له الدين ، ثم هم بعد ذلك يشكرون بالله ويكفرون بكتابه ، ويؤذون رسوله ، ويفتنون المؤمنين به ، ويذكر المشركين بنعمة الله عليهم بهذا الحرم الآمن الذي يعيشون فيه ، والناس من حولهم في خوف وقلق وهم يفترون على الله الكذب ويشركون به آلهة مفتراة ، ويعدهم على هذا جهنم وفيها مثوى للكافرين .

وتختم السورة بوعد من الله سبحانه بهداية المجاهدين ورعايتهم ، فيقول سبحانه : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } [ العنكبوت : 69 ] .

{ الم ( 1 ) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون( 2 ) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين( 3 ) أم حسب الذين يعلمون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون( 4 ) من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم( 5 ) ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين( 6 ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذين كانوا يعملون( 7 ) } .

1

التفسير :

1-{ الم }

سبق الحديث عن هذه الأحرف في سورتي البقرة وآل عمران وغيرهما .

والخلاصة أنها حروف للتنبيه والتحدي والإعجاز ، كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ لدخول المدرسة .

   
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

سورة العنكبوت مكية ويقال: نزلت بين مكة والمدينة في طريقه حين هاجر صلى الله عليه وسلم.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

... مدنية كلها في واحد قولي ابن عباس وقتادة. وفي القول الثاني لهما وهو قول يحيى بن سلام مكية كلها إلا عشر آيات من أولها مدنية إلى قوله {وليعلمن المنافقين}.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة، وهذا أصح ما قيل فيه.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

أخرج الدارقطني في السنن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات، يقرأ في الركعة الأولى العنكبوت أو الروم، وفي الثانية يس.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

سورة العنكبوت سميت بها لاشتمالها على آية: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت} الآية، المشير إلى أن من اعتمد على قوة الأصنام وحفظها عن العذاب، كالعنكبوت اعتمدت على قوة بيتها التي لا تحتمل مس أدنى الحشرات والرياح، وحفظها عن الحر والبرد. وهذا أتم في الدعوة إلى التوحيد الذي هو أعظم مقاصد القرآن. أفاده المهايمي.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

سورة العنكبوت مكية. وقد ذكرت بعض الروايات أن الإحدى عشرة آية الأولى مدنية. وذلك لذكر "الجهاد "فيها وذكر "المنافقين".. ولكننا نرجح أن السورة كلها مكية. وقد ورد في سبب نزول الآية الثامنة أنها نزلت في إسلام سعد بن أبي وقاص كما سيجيء. وإسلام سعد كان في مكة بلا جدال. وهذه الآية ضمن الآيات الإحدى عشرة التي قيل إنها مدنية. لذلك نرجح مكية الآيات كلها. أما تفسير ذكر الجهاد فيها فيسير. لأنها واردة بصدد الجهاد ضد الفتنة. أي جهاد النفس لتصبر ولا تفتن. وهذا واضح في السياق. وكذلك ذكر النفاق فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس.

والسورة كلها متماسكة في خط واحد منذ البدء إلى الختام.

إنها تبدأ بعد الحروف المقطعة بالحديث عن الإيمان والفتنة، وعن تكاليف الإيمان الحقة التي تكشف عن معدنه في النفوس. فليس الإيمان كلمة تقال باللسان، إنما هو الصبر على المكاره والتكاليف في طريق هذه الكلمة المحفوفة بالمكاره والتكاليف.

ويكاد هذا أن يكون محور السورة وموضوعها؛ فإن سياقها يمضي بعد ذلك المطلع يستعرض قصص نوح وإبراهيم ولوط وشعيب، وقصص عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، استعراضا سريعا يصور ألوانا من العقبات والفتن في طريق الدعوة إلى الإيمان. على امتداد الأجيال.

ثم يعقب على هذا القصص وما تكشف فيه من قوى مرصودة في وجه الحق والهدى، بالتصغير من قيمة هذه القوى والتهوين من شأنها، وقد أخذها الله جميعا:

(فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا)..

ويضرب لهذه القوى كلها مثلا مصورا يجسم وهنها وتفاهتها:

(مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).

ويربط بعد ذلك بين الحق الذي في تلك الدعوات والحق الذي في خلق السماوات والأرض؛ ثم يوحد بين تلك الدعوات جميعا ودعوة محمد [صلى الله عليه وسلم] فكلها من عند الله. وكلها دعوة واحدة إلى الله. ومن ثم يمضي في الحديث عن الكتاب الأخير وعن استقبال المشركين له؛ وهم يطلبون الخوارق غير مكتفين بهذا الكتاب وما فيه من رحمة وذكرى لقوم يؤمنون. ويستعجلون بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. ويتناقضون في منطقهم: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله!).. (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله!).. (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين).. ولكنهم مع هذا كله يشركون بالله ويفتنون المؤمنين.

وفي ثنايا هذا الجدل يدعو المؤمنين إلى الهجرة فرارا بدينهم من الفتنة، غير خائفين من الموت، إذ (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا يرجعون). غير خائفين من فوات الرزق: وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم..

ويختم السورة بتمجيد المجاهدين في الله وطمأنتهم على الهدى وتثبيتهم: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين).. فيلتئم الختام مع المطلع وتتضح حكمة السياق في السورة، وتماسك حلقاتها بين المطلع والختام، حول محورها الأول وموضوعها الأصيل.

ويمضي سياق السورة حول ذلك المحور الواحد في ثلاثة أشواط:

الشوط الأول يتناول حقيقة الإيمان، وسنة الابتلاء والفتنة، ومصير المؤمنين والمنافقين والكافرين. ثم فردية التبعة فلا يحمل أحد عن أحد شيئا يوم القيامة: (وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون)..

والشوط الثاني يتناول القصص الذي أشرنا إليه، وما يصوره من فتن وعقبات في طريق الدعوات والدعاة، والتهوين من شأنها في النهاية حين تقاس إلى قوة الله. ويتحدث عن الحق الكامن في دعوة الرسل، وهو ذاته الحق الكامن في خلق السماوات والأرض. وكله من عند الله.

والشوط الثالث يتناول النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى. إلا الذين ظلموا منهم. وعن وحدة الدين كله، واتحاده مع هذا الدين الأخير الذي يجحد به الكافرون، ويجادل فيه المشركون. ويختم بالتثبيت والبشرى والطمأنينة للمجاهدين في الله المهديين إلى سبل الله: (وإن الله لمع المحسنين)..

ويتخلل السورة من المطلع إلى الختام إيقاعات قوية عميقة حول معنى الإيمان وحقيقته. تهز الوجدان هزا. وتقفه أمام تكاليف الإيمان وقفة جد صارم؛ فإما النهوض بها وإما النكوص عنها. وإلا فهو النفاق الذي يفضحه الله.

وهي إيقاعات لا سبيل إلى تصويرها بغير النصوص القرآنية التي وردت فيها. فنكتفي بالإشارة إليها هنا حتى نستعرضها في موضعها مع السياق.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

اشتهرت هذه السورة بسورة العنكبوت من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رواه عكرمة قال: كان المشركون إذا سمعوا تسمية سورة العنكبوت يستهزئون بهما، أي بهذه الإضافة فنزل قوله تعالى {إنا كفيناك المستهزئين} يعني المستهزئين بهذا ومثله وقد تقدم الإلماع إلى ذلك عند قوله تعالى {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} في سورة البقرة.

ووجه إطلاق هذا الاسم على هذه السورة أنها اختصت بذكر مثل العنكبوت في قوله تعالى فيها {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا}.

وهي مكية كلها في قول الجمهور، ومدنية كلها في أحد قولي ابن عباس وقتادة، وقيل بعضها مدني. روى الطبري والواحدي في أسباب النزول عن الشعبي أن الآيتين الأوليين منها أي إلى قوله {وليعلمن الكاذبين} نزلتا بعد الهجرة في أناس من أهل مكة اسلموا فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة أن لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا إلى المدينة فخرجوا مهاجرين فاتبعهم المشركون فردوهم.

وروى الطبري عن عكرمة عن ابن عباس أن قوله تعالى {ومن الناس من يقول آمنا بالله} إلى قوله {وليعلمن المنافقين} نزلت في قوم بمكة وذكر قريبا مما روى عن الشعبي.

وفي أسباب النزول للواحدي: عن مقاتل نزلت الآيتان الأوليان في مهجع مولى عمر بن الخطاب خرج في جيش المسلمين إلى بدر فرماه عامر بن الحضرمي من المشركين بسهم فقتله فجزع عليه أبوه وامرأته فأنزل الله هاتين الآيتين. وعن علي ابن أبي طالب أن السورة كلها نزلت بين مكة والمدينة. وقيل: إن آية {ومن الناس من يقول آمنا بالله} نزلت في ناس من ضعفة المسلمين بمكة كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم في باطن الأمر وأظهروا للمسلمين أنهم لم يزالوا على إسلامهم كما سيأتي عند تفسيرها.

وقال في الإتقان: ويضم إلى ما استثني من المكي فيها قوله تعالى {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} لما أخرجه ابن أبي حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤمنين الذين كانوا بمكة بالمهاجرة إلى المدينة فقالوا كيف نقدم بلدا ليست لنا فيه معيشة فنزلت {وكأين من دابة لا تحمل رزقها}.

وقيل هذه السورة آخر ما نزل بمكة وهو يناكد بظاهره جعلهم هذه السورة نازلة قبل سورة المطففين. وسورة المطففين آخر السور المكية. ويمكن الجمع بأن ابتداء نزول سورة العنكبوت قبل ابتداء نزول سورة المطففين ثم نزلت سورة المطففين كلها في المدة التي كانت تنزل فيها سورة العنكبوت ثم تم بعد ذلك جميع هذه السورة...

أغراض هذه السورة:

افتتاح هذه السورة بالحروف المقطعة يؤذن بأن من أغراضها تحدي المشركين بالإتيان بمثل سورة منه كما بينا في سورة البقرة، وجدال المشركين في أن القرآن نزل من عند الله هو الأصل فيما حدث بين المسلمين والمشركين من الأحداث المعبر عنها بالفتنة في قوله هنا {أن يقولوا آمنا وهو لا يفتنون}. فتعين أن أول أغراض هذه السورة تثبيت المسلمين الذين فتنهم المشركون وصدوهم عن الإسلام أو عن الهجرة مع من هاجروا.

ووعد الله بنصر المؤمنين وخذل أهل الشرك وأنصارهم وملقنهم من أهل الكتاب.

والأمر بمجافاة المشركين والابتعاد منهم ولو كانوا اقرب القرابة.

ووجوب صبر المؤمنين على أذى المشركين وأن لهم في سعة الأرض ما ينجيهم من أذى أهل الشرك.

ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن ما عدا الظالمين منهم للمسلمين.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالثبات على إبلاغ القرآن وشرائع الإسلام.

والتأسي في ذلك بأحوال الأمم التي جاءتها الرسل، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بمثل ما جاءوا به.

وما تخلل أخبار من ذكر فيها من الرسل من العبر.

والاستدلال على أن القرآن منزل من عند الله بدليل أمية من أنزل عليه صلى الله عليه وسلم.

وتذكير المشركين بنعم الله عليهم ليقلعوا عن عبادة ما سواه.

وإلزامهم بإثبات وحدانيته بأنهم يعترفون بأنه خالق من في السماوات ومن في الأرض.

والاستدلال على البعث بالنظر في بدء الخلق وهو اعجب من إعادته.

وإثبات الجزاء على الأعمال.

وتوعد المشركين بالعذاب الذي يأتيهم بغتة وهم يتهكمون باستعجاله.

وضرب المثل لاتخاذ المشركين أولياء من دون الله بمثل وهي بيت العنكبوت.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في حكمة افتتاح هذه السورة بحروف من التهجي، ولنقدم عليه كلاما كليا في افتتاح السور بالحروف فنقول: الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئا غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود. إذا ثبت هذا فنقول ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاما له معنى مفهوم، كقول القائل اسمع، واجعل بالك إلي، وكن لي، وقد يكون شيئا هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل أزيد ويا زيد وألا يا زيد، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه. ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم، كان المقدم على المقصود أكثر. ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال أزيد والبعيد بيا فيقال يا زيد، والغافل ينبه أولا فيقال ألا يا زيد. إذا ثبت هذا فنقول إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفا هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاما منظوما وقولا مفهوما فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه. أما إذا سمع منه صوتا بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع، على الكلام المقصود، فيه حكمة بالغة، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟ فنقول عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز، والله أعلم بجميع الأشياء، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى: {الم ذلك الكتاب} {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب} {المص كتاب أنزل إليك}... والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف، هي أن القرآن عظيم والإنزال له ثقل والكتاب له عبء كما قال تعالى: {إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا} وكل سورة في أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه، لا يقال كل سورة قرآن واستماعه استماع القرآن سواء كان فيها ذكر القرآن لفظا أو لم يكن، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه، وأيضا فقد وردت سورة فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} وقوله: {سورة أنزلناها} وقوله: {تبارك الذي نزل الفرقان} وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} لأنا نقول جوابا عن الأول لا ريب في أن كل سورة من القرآن لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن فإن قوله تعالى: {طه ما أنزلنا عليك القرءان} مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه: إنا كتبنا إليك كتبا فيها أوامرنا فامتثلها، لا شك أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول.

وعن الثاني أن قوله: {الحمد لله، وتبارك الذي} تسبيحات مقصودة وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح {سورة أنزلناها} قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر إنزالها وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم في النفس وأثقل. وأما قوله تعالى: {إنا أنزلناه} فنقول هذا ليس واردا على مشغول القلب بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم وقوله: {إنا أنزلناه} الهاء راجع إلى معلوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فكان متنبها له فلم ينبه، واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} وقوله {يا أيها النبي اتق الله} {يا أيها النبي لم تحرم} لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيها.

وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن القرآن ثقله وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا} يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي، فإن قيل مثل هذا الكلام، وفي معناه ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} ولم يقدم عليه حروف التهجي فنقول الجواب عنه في غاية الظهور، وهو أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال {أحسب} وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم والتنبيه يكون في أول الكلام لا في أثنائه.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . ومدنية كلها في أحد قولي ابن عباس وقتادة . وفي القول الآخر لهما ، وهو قول يحيى بن سلام أنها مكية إلا عشر آيات من أولها ، فإنها نزلت بالمدينة في شأن من كان من المسلمين بمكة وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : نزلت بين مكة والمدينة وهي تسع وستون آية .

قوله تعالى : " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " تقدم القول فيها . وقال ابن عباس [ في قوله : " الم " ] : المعنى أنا الله أعلم . وقيل : هو اسم للسورة . وقيل : اسم للقرآن .