{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله . . . }
يكون الدين لله : أي ويكون دين كل شخص خالصا لله لا أثر لخشية غيره فيه . فلا يفتن بصدره عنه ولا يؤدي فيه ، ولا يحتاج إلى مداهنة ومحاباة ، أو استخفاء ومداراة .
أي قاتلوا المشركين حتى لا تكون لهم قوة يفتنونكم بها في دينكم ، وعليكم أيها المسلمون أن تقاتلوا المشركين وأن تكسروا شوكتهم وأن تقضوا عل جبروتهم حتى تزيلوا هذا الطاغوت من وجه الدعوة الإسلامية ، وحتى يصير الناس أحرارا في عقائدهم ، ويكون دين كل شخص خاصا لله لا أثر فيه لخشية غيره فلا يفتن بصده عنه ولا يؤذي فيه ولا يحتاج غيه إلى مهادنة ومحاباة أو استخفاء ومداراة .
وقد كان المسلمون في مكة مغلوبين على أمرهم ، والمشركون هم أصحاب الحول والقوة ، ثم هاجر المسلمون إلى المدينة وبدأ الجهاد في سبيل الله ، فحطم المؤمنون طواغيت الكفر والضلال ثم فتحوا مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا .
فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين :
أي فإن انتهوا عما كانوا عليه وأذعنوا لتعاليم الإسلام فكفوا عن قتالهم فلا تعتدوا عليهم ، لأن العقوبة والعدوان إنما تكون على الظالمين تأديبا لهم ليرجعوا عن غيهم وظلمهم .
من هذه الآيات نلمح حكمة مشروعية القتال في الإسلام .
فقد دافع المسلمون دفاعا عن أنفسهم ، وحماية لعقيدتهم ، ودفعا لعدوا المعتدين ، وتمكينا لدين الله في الأرض .
وقد مكث المسلمون في مكة ثلاثة عشر عاما لن يرفعوا سيفا ، ولم يقاتلوا معتديا ، وكان القرآن في مكة ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيأمره بالصبر الجميل ويدعوه إلى الهجر الجميل فيقول سبحانه : ولربك فاصبر . ( المدثر : 7 ) . وكقوله تعالى : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل . ( الأحقاف : 35 )
فلكم هاجر المسلمون إلى المدينة آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، وربى الصحابة تربية إسلامية ، وتقدم المسلمون للدفاع عن أنفسهم فقاتلوا المشركين في غزوات متعددة منها غزوة بدر وأحد والخندق والحديبية ثم فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا ، ولم يكن القتال غاية ولكنه كن وسيلة من وسائل الدفاع ، وسبيلا إلى نشر الدعوة وضرورة للقضاء على أعداء الإسلام ، وإزاحة طواغيت الكفر ، وتمكين كل ذي دين من عبادة ربه حرا طليقا .
قال تعالى : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير*الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز*الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } . ( الحج : 39-31 ) .
قوله تعالى : { وقاتلوا . . . }هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : { ادفع بالتي هي أحسن } . ( المؤمنون : 96 ) .
وقوله : { ليست عليهم بمسيطر } . ( الغاشية : 32 ) .
وقوله : { فاعف عنهم وأصلح } . ( المائدة : 13 ) .
وقوله : { واهجرهم هجرا جميلا } . ( المزمل : 10 ) .
فلما هاجر المسلمون إلى المدينة أمروا بالقتال فنزل : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم . قاله الربيع بن أنس وغيره .
وروى عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا . ( الحج : 39 )
والأول أكثر ، وإن لآية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ومن لم يقاتل من المشركين " ( 91 ) .
قوله تعالى : { وقاتلوهم } . يعني المشركين .
قوله تعالى : { حتى لا تكون فتنة } . أي شرك ، يعني قاتلوهم حتى يسلموا ، فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام فإن أبى قتل .
قوله تعالى : { ويكون الدين } . أي الطاعة والعبادة .
قوله تعالى : { لله } . وحده ، فلا يعبد شيء دونه . قال نافع : جاء رجل إلى ابن عمر في فتنة ابن الزبير فقال : ما يمنعك أن تخرج ؟ قال : يمنعني أن الله حرم دم أخي ، قال : ألا تسمع ما ذكره الله عز وجل ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) فقال : يا ابن أخي : لأن أعتبر بهذه الآية ولا أقاتل ، أحب إلي من أن أعتبر بالآية التي يقول الله عز وجل فيها ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً ) . قال : ألم يقل الله ، ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) ؟ قال قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلاً ، وكان الرجل يفتن في دينه ، إما يقتلونه أو يعذبونه ، حتى كثر الإسلام ، فلم تكن فتنة ، وكان الدين لله ، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله .
وعن سعيد بن جبير قال : قال رجل لابن عمر : كيف ترى في قتال الفتنة ؟ فقال : هل تدري ما الفتنة ؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين ، وكان الدخول عليهم فتنة ، وليس قتالكم كقتالهم على الملك .
قوله تعالى : { فإن انتهو } . عن الكفر وأسلموا .
قوله تعالى : { فلا عدوان } . فلا سبيل .
قوله تعالى : { إلا على الظالمي } . قال ابن عباس : يدل عليه قوله تعالى ( أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي ) أي ، فلا سبيل علي ، وقال أهل المعاني : العدوان الظلم ، أي فإن أسلموا فلا نهب ولا أسر ولا قتل ، إلا على الظالمين . الذين بقوا على الشرك ، وما يفعل بأهل الشرك من هذه الأشياء لا يكون ظلماً ، وسماه عدواناً على طريق المجازاة والمقابلة ، كما قال : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) وكقوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وسمي الكافر ظالماً لأنه يضع العبادة في غير موضعها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.