{ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ ( 101 ) فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ( 103 ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ( 104 ) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 105 ) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ( 106 ) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ( 107 ) قَالَ اخْسَأُُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 ) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 ) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ( 111 ) } .
101 - فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ .
الصور : يطلق على البوق فيكون مفردا ، ويطلق على الصور ( بفتح الواو ) فيكون جمعا لصورة ، مثل : بسر وبسرة .
فلا أنساب بينهم : فلا تنفعهم الأنساب ، وهي القرابات .
ولا يتساءلون : ولا يسأل بعضهم بعضا عن حاله .
إذا نفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية ؛ قام الناس للحساب ، وقد اشتد الهول ، وعظم الخطب ، وانشغل كل إنسان بنفسه ، ولم يعد هناك مجال للتفاخر بالأحساب والأنساب التي كان يفتخر بها في الدنيا ، لأن الفخر حينئذ بالعمل الصالح وهو معيار التفاضل في ذلك اليوم .
لا يسأل بعضهم بعضا عن أحوالهم لشدة الهول ، ولانشغال كل إنسان بنفسه ، حتى الرسل وهم صفوة الله من خلقه يقول كل واحد منهم : نفسي نفسي ، حين يطلب منهم الشفاعة لإراحة الناس من هول الموقف .
فإن قيل : قد ورد في القرآن أن الناس توقف للسؤال في آيات أخرى ، مثل قوله تعالى : وقفوهم إنهم مسئولون . ( الصافات : 24 ) .
وقوله سبحانه : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . ( الطور : 25 ) .
فالجواب : أن يوم القيامة فيه مواقف متعددة ، في بعضها يسمح للإنسان بالكلام والسؤال والتساؤل ، وفي بعضها لا يسمح له بالكلام ولا بالتساؤل .
وذلك شبيه بإنسان في ساحة القضاء في الدنيا ، يسمح له من يحقق معه بإبداء رأيه ودفاعه عن نفسه فإذا حجزت القضية للنطق بالحكم ؛ لم يعد يسمح له بالكلام .
قرأ ابن عباس : فإذا نفخ في الصور . بواو مفتوحة ، وهي جمع صورة ، والمراد بها : إطلاق الأرواح من البرزخ لتلحق بأجسادها .
قال الآلوسي : ولا تنافي بين النفخ في الصور بمعنى القرن ، الذي جاء به الخبر ودلت عليه آيات أخر ، وبين النفخ في الصور جمع صورة ، فقد جاء أن هذا النفخ عند ذاك .
إذا نفخ في الصور وعادت الأرواح إلى أجسادها ، وقام الناس من قبورهم للبعث والحشر والحساب ؛ فلا تنفعهم قراباتهم وأحسابهم كما كانت تنفعهم في الدنيا ، إذ لا ينفع الإنسان حينئذ إلا عمله .
ومن جهة أخرى فكل إنسان مشغول بنفسه عن الآخرين قال تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ . ( عبس : 34 – 37 ) .
أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن مسعود قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ؛ ثم نادى مناد : ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه ، قال : فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا ، ومصداق ذلك في كتاب الله ، قال الله تعالى : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَxxx .
وروى الإمام أحمد ، عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( فاطمة بضعة مني ، يغيظني ما يغيظها ، وينشطني ما ينشطها ، وإن الأنساب تتقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري ) .
قال ابن كثير في التفسير : وهذا الحديث له أصل في الصحيحين : فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها ويؤذيني ما آذاها )xxxi .
قوله تعالى : { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم } اختلفوا في هذه النفخة ، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنها النفخة الأولى في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض فلا أنساب بينهم { يومئذ ولا يتساءلون } ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . وعن ابن مسعود : أنها النفخة الثانية ، قال : " يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد : هذا فلان ابن فلان ، فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه ، فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده وولده أو زوجته أو أخيه فيأخذ منه ، ثم قرأ ابن مسعود : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } . وفي رواية عطاء عن ابن عباس : أنها الثانية ( فلا أنساب بينهم ) أي : لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما كانوا في الدنيا ، ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا : من أنت ومن أي قبيلة أنت ؟ ولم يرد أن الأنساب تنقطع . فإن قيل : أليس قد جاء في الحديث : " كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي " . قيل : معناه لا يبقى يوم القيامة سبب ولا نسب إلا سببه ونسبه ، وهو الإيمان والقرآن . فإن قيل : قد قال هاهنا { ولا يتساءلون } وقال في موضع آخر : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } الجواب : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن للقيامة أحوالاً ومواطن ، ففي موطن يشتد عليهم الخوف ، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون ، وفي موطن يفيقون إفاقةً فيتساءلون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.