تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (70)

63

70- { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } .

أي : من يرتكب هذه الموبقات من الشرك والقتل والزنا ، فإنه يدخل جهنم ، ويضاعف له العذاب والمهانة والمذلة ، لكن من تاب إلى الله توبة نصوحا ، وآمن بالله ورسوله ، وعمل الأعمال الصالحة ، فإن الله تعالى يقبل توبتهم ، ويبدل سجلات سيئاتهم حسنات بعد توبتهم ، لأن الله واسع المغفرة ، رحيم بعباده ، يصفح عنهم ويغفر ذنوبهم .

وقيل : إن المراد بتبديل السيئات إلى حسنات : أن العبد بعد التوبة تتبدل أعماله من القبيح إلى الحسن .

فتسجل له الحسنات بدلا من السيئات .

قال سعيد بن جبير : أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمان ، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين ، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات .

وقال الحسن البصري : أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح ، وأبدلهم بالشرك إخلاصا ، وأبدلهم بالفجور إحصانا ، وبالكفر إسلاما .

وباب التوبة دائما مفتوح يدخل منه كل من استيقظ ضميره ، وأراد العودة والمآب ، لا يصدّ عنه قاصد ، ولا يغلق في وجه لاجئ أيّا كان ، وأيا ما ارتكب من الآثام .

وقد ورد في القرآن الكريم حث على التوبة النصوح ، وبيان فضل الله في قبول التوبة ، وتكفير السيئات ، فالله تعالى من أسمائه الحسنى : غافر وغفّار وغفور ، وغافر : اسم فاعل ، يدل على المغفرة ، وغفّار وغفور : صيغة مبالغة ، تدل على كثرة المغفرة .

قال تعالى : { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } [ غافر : 3 ]

وقال عز شأنه : { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } [ طه : 82 ]

وقال تعالى : { تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور } [ الملك : 1 ، 2 ] .

التوبة في الإسلام بابها مفتوح ، وهي وسيلة عملية للاستقامة ، حيث تصدق النفس ، وتتغير الأعمال ، ويتحول الإنسان من الهوى والمعصية إلى الإيمان الصادق والاستقامة والطاعة ، فتفتح له أبواب السماء ، ويفرح به الحق تعالى ، إن الله يحب التوابين ، والتائب حبيب الرحمان ، حيث تاب إلى الله ، وهو أعظم مأمول ، فأنعم به من تائب ، وأنعم بالله من رب كريم

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (70)

قوله تعالى : { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً } قال قتادة : إلا من تاب من ذنبه ، وآمن بربه ، وعمل عملاً صالحاً فيما بينه وبين ربه .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني أبو الحسين بن محمد ابن عبد الله ، حدثنا موسى بن محمد ، حدثنا موسى بن هارون الحمال ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الشافعي ، حدثنا عبد الله بن رجاء عن عبيد الله بن عمر ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن محمد بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : " قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين : { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } الآية ، ثم نزلت : { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط كفرحه بها وفرحه بإنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " . { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً } فذهب جماعة إلى أن هذا التبديل في الدنيا ، قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، ومجاهد ، والسدي ، والضحاك : يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ، فيبدلهم بالشرك إيماناً ، وبقتل المؤمنين قتل المشركين ، وبالزنا عفة وإحصاناً . وقال قوم : يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة ، وهو قول سعيد بن المسيب ، ومكحول ، يدل عليه ما : أخبرنا أبو محمد بن عبد الصمد الجوزجاني ، أنبأنا أبو القاسم علي بن أبي أحمد الخزاعي ، أنبأنا الهيثم بن كليب ، أنبأنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا أبو عمار الحسين بن خريت ، حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، عن أبي ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار ، يؤتى به يوم القيامة فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، ويخبأ عنه كبارها ، فيقال له عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ، وهو مقر لا ينكر ، وهو مشفق من كبارها ، فيقال : أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة ، فيقول : رب إن لي ذنوباً ما أراها ها هنا ، قال أبو ذر : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه " . وقال بعضهم : إن الله عز وجل يمحو بالندم جميع السيئات ، ثم يثبت مكان كل سيئة حسنة .