تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} (52)

المفردات :

تربصون : أصله تتربصون فخفف بحذف إحدى التاءين ومعناه : تنتظرون .

الحسنيين : الغايتين المستحسنتين النصر والشهادة في سبيل الله .

التفسير :

52 – { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين . . . }

أي : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين :

هل تنتظرون إلا أن يقع لنا إحدى العاقبتين الحسنتين ، إما النصر والظفر ، وإما الشهادة والثواب العظيم . فإن عشنا عشنا أعزة كراما مؤمنين ، وإن متنا متنا شهداء مأجورين لنا الأجر والثواب .

جاء في تفسير الآلوسي :

والحاصل : أن ما تنتظرونه بنا – أيها المنافقون – لا يخلو من أحد هذين الأمرين ، كل منهما عاقبته حسنى ، لا كما تزعمون من أن ما يصيبنا من القتل في الغزو سوء ، ولذلك سررتم به .

وصح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

" تكفّل الله تعالى ، لمن جاهد في سبيله ، لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله ، وتصديق كلمته ؛ أن يدخله الجنة ، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة ، أو أجر إن لم يغنم " 94 .

{ ونحن نتربص بكم أن يصبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } .

أما نحن فننتظر بكم إحدى السوءتين من العواقب : إما أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ، وهو قارعة من السماء ، كما نزلت على عاد وثمود .

وإما أن يصيبكم عذاب بأيدينا ، وهو الإذن لنا في قتالكم وقتلكم .

{ فتربصوا إنا معكم متربصون } .

أي : إذا كان هذا أمرنا وأمركم ، فانتظروا بنا ما ذكرنا من عواقبنا ؛ فإنا معكم متربصون بكم ما هو عاقبتكم ، فلا بد أن يلقي كل منا ما يتربصه لا يتجاوزه فنحن على بينة من ربنا ، ولا بينة لكم ، لا تشاهدون إلا ما يسرنا ، ولا نشاهد إلا ما يسوؤكم ، فانتظروا أنتم مواعد الشيطان ، إنا منتظرون مواعد الرحمان .

وبهذا ترى الآيات قد حكت طرفا من رذائل المنافقين ، ومسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية ، وردت عليهم بما يكبتهم ويفضحهم على رءوس الأشهاد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} (52)

ولما تضمن ذلك أن سراءهم وضراءهم لهم خير من حيث أن الرضى بمر القضاء موجب لإقبال القاضي على المقضي{[36528]} عليه بالرأفة والرحمة ، صرح بذلك في قوله : { قل هل تربصون } أي تنتظرون انتظاراً عظيماً { بنا إلا إحدى الحسنيين } أي وهي أن نصيب أعداءنا فنظفر ونغنم ونؤجر أو يصيبونا بقتل{[36529]} أو غيره فنؤجر ، وكلا الأمرين حسن : أما السراء التي توافقوننا{[36530]} على حسنها فأمرها واضح ، وأما الضراء فموجبة لرضى الله عنا ومثوبته لنا بالصبر عليها ورضانا بها إجلالاً له وتسليماً لأمره فهي{[36531]} حسنى كما نعلم لا سوأى كما تتوهمون { ونحن نتربص بكم } أي ننتظر إحدى السوأيين وهي { أن يصيبكم الله } أي الذي له جميع القدرة ونحن من حزبه { بعذاب من عنده } أي لا تسبب لنا فيه كما أهلك القرون الأولى بصائر للناس { أو بأيدينا } أي بسببنا من قتل أو نهب وأسر وضرب وغير ذلك لأن حذركم لا يمنعكم من الله ، وكل ذلك مكروه عندكم .

ولما تسبب عن هذا البيان أن السوء خاصة بحزب الشيطان ، حسن أن يؤمروا تهكماً بهم{[36532]} {[36533]}بما أداهم{[36534]} إلى ذلك تخسيساً لشأنهم فقال : { فتربصوا } أي أنتم { إنا } أي نحن { معكم متربصون* } أي بكم ، نفعل كما تفعلون ، والقصد{[36535]} مختلف ، والآية{[36536]} من الاحتباك : حذف أولاً الإصابة للدلالة عليها بما أثبت ثانياً ، وثانياً إحدى السوأيين للدلالة عليها بإثبات الحسنيين أولاً .


[36528]:من ظ، وفي الأصل: المقتضي.
[36529]:من ظ، وفي الأصل: بعتد.
[36530]:في ظ: توافقونها.
[36531]:في ظ: فهو.
[36532]:زيد من ظ.
[36533]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36534]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36535]:من ظ، وفي الأصل: الفصل.
[36536]:زيد بعده في الأصل: مبنيا، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} (52)

قوله تعالى : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون 52 قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين 53 وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } الاستفهام للتوبيخ . و { تربصون } من التربص ؛ وهو الانتظار{[1799]} ؛ أي قل لهؤلاء المنافقين الذين لا يردون لكم غير السوء والمكروه : هل ينتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين التين هما حسنى العواقب ؛ وهما النصرة والشهادة ؟ فإما أن يكتب الله لنا الظفر والغلبة على عدونا ؛ وهذه حسنى يتمن الله بها علينا ، وإما أن يكتب لنا الشهادة في سبيله والفوز بالجنة والرضوان ؛ وهذه حسنى عز ونظيرها .

قوله : { ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } ونحن من جهتنا ننتظر بكم أن يصيبكم الله من عنده بعقوبة ماحقة تأتي عليكم فتهلككم إهلاكا { أو بأيدينا } وذلك بقتلكم وأسركم وإذلالكم .

قوله : { فتربصوا إنا معكم متربصون } ذلك تهديد ووعيد ؛ أي انتظروا فوزنا بإحدى الخلتين الشريفتين وهما كلتاهما كسب عظيم ومنجاة كبرى نحظى بهما . لكننا نحن ننتظر بكم أن تسقطوا في عذاب الله الموجع ، أو بأيدينا نحن المسلمين ؛ لنقتلكم فنكسر شوكتكم ونذلكم .


[1799]:مختار الصحاح ص 229.