تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (41)

{ انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( 41 ) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ( 42 ) } .

المفردات :

انفروا خفافا وثقالا : أي : اخرجوا للجهاد على أي حال ، سواء سهل على نفوسكم فخفت ونشطت ، أو شق عليها فثقلت .

التفسير :

41 – { انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ . . . } الآية .

أي : اخرجوا للجهاد في سبيل الله على أي حال كنتم ، من يسر أو عسر ، صحة أو مرض ، غنى أو فقر ، شغل أو فراغ منه ، كهولة أو شباب .

وجاهدوا أعداءكم ببذل أموالكم ، وببذل أنفسكم في سبيل الله ، أي : في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه .

{ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } .

ذلكم المأمور به من النفر والجهاد في سبيل الله ؛ خير لكم في دنياكم وآخرتكم من التثاقل عنهما ؛ إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بين لكم خالقكم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .

روى الشيخان والنسائي : عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تكفل الله للمجاهد في سبيله ، إن توفاه أن يدخله الجنة ، أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة " 80 .

من أحكام الآية

تدل هذه الآية على أن الجهاد والنفير العام كان فرض عين في غزوة تبوك ؛ نظرا لبعد الشقة وكثرة العدو .

روى ابن عباس عن أبي طلحة في قوله تعالى : { خفافا وثقالا } . قال : شبابا وكهولا ، ما قبل الله عذر أحد في التخلف عن الجهاد ؛ فخرج أبو طلحة إلى الشام فجاهد حتى مات .

ومن العلماء من يرى أن هذه الآية قد نسخت بآيات أخرى .

فروى عن ابن عباس وآخرون : أنها منسوخة بقوله تعالى : { ليس على الضعفاء ولا على المرضى }( التوبة : 91 ) .

وجاء في حاشية الجمل على تفسير الجلالين :

" والصحيح أن هذه الآية منسوخة ؛ لأن الجهاد من فروض الكفاية وأنه ليس على الأعيان " .

قال القرطبي في تفسيره :

والصحيح أنها ليست بمنسوخة ، ويبقى الجهاد فرض عين إذا تعين بغلبة العدو على قطر من الأقطار ؛ فيجب حينئذ على جميع أهل تلك الدار ، أن ينفروا ويخرجوا إلى الجهاد خفافا وثقالا ، شبانا وشيوخا ، كل على قدر طاقته ، يخرج الابن بغير إذن أبيه ، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج ، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بدحر العدو ، كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا ؛ لتحقيق الهدف المرجو ؛ فالمسلمون كلهم يد واحدة على من سواهم ، حتى إذا قام هؤلاء بدفع العدو ؛ سقط الغرض عن الباقين .

ولو قارب العدو دار الإسلام ، ولم يدخلوها ؛ لزم المسلمين أيضا الخروج إليه ؛ حتى تعلو كلمة الله ، وتصان البلاد ويخزي العدو81 اه .

الخلاصة :

الجهاد قد يكون فرض عين ، وقد يكون فرض كفاية . فيكون فرض عين إذا تغلب العدو على قطر من الأقطار ؛ فيجب الجهاد على جميع أهل ذلك القطر ، ويجب مساعدتهم على من جاورهم ، ويكون الجهاد فرض كفاية ، فيعفي منه الضعفاء والمرضى وأصحاب الأعذار ومن لا يجيد الحرب ، إذا قام الجيش بالدفاع عن البلد وذكر الإمام محمد أبو زهرة : أن الحرب الآن صارت فنا متقدما يستفرغ الشاب عمره في إجادة فن من فنونه ؛ وتحتاج الحرب الآن إلى تخصص دقيق وتنظيم معين ، ويؤدى كل فرد واجبه في تخصصه الذي يتقنه ويجيده .

ونلاحظ أن الصحابة رضوان الله عليهم ؛ قد بادروا إلى امتثال أمر الله في الدعوة إلى الجهاد ، فخرجوا في سبيل الله خفافا وثقالا ؛ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله .

روى ابن جرير الطبري : عن أبي راشد الحراني قال : وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص ، وهو يريد الغزو ، وقد تقدمت به السن ، فقلت له : لقد أعذر الله إليك .

فقال : أتت علينا سورة البعوث " أي : سورة براءة " : { انفروا خفافا وثقالا } .

وجاء في التفسير المنير للدكتور وهبة الزحلي :

والجهاد واجب بالنفس والمال إذا قدر عليهما ، أو على أحدهما على حسب الحال والحاجة . . . كما فعل عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة ، وكما فعل غيره من أغنياء الصحابة . . . ولما أصبح في بيت المال وفر وسعة ؛ صار الحكام يجهزون الجيوش من بيت المال ، وهذا هو المتبع الآن ، حيث تخصص بنود من الميزانية كل عام لنفقات الحرب ولدفاع وتزداد الميزانية عند الحاجة . اه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (41)

ولما بلغت هذه المواعظ من القلوب الواعية مبلغاً هيأها به للقبول ، أقبل عليها سبحانه بالأمر فقال : { انفروا خفافاً وثقالاً } والمراد بالخفة كل ما يكون سبباً لسهولة الجهاد والنشاط إليه ، وبالثقل كل ما يحمل على الإبطاء عنه ؛ وقال أبو حيان : والخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة ومن{[36352]} يمكنه بصعوبة ، وأما من{[36353]} لا يمكنه كالأعمى ونحوه فخارج عن هذا - انتهى . قال البغوي : قال الزهري : خرج سعيد بن المسيب رحمه الله للغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل صاحب ضرر فقال : استنفر{[36354]} الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكن {[36355]} الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع ؛ وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند صحيح عن أنس أن أبا طلحة رضي الله عنهما قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال : لا أرى ربي يستنفرني{[36356]} شاباً وشيخاً ! جهزوني ، فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فما تغير{[36357]} ، { وجاهدوا } أي أوقعوا جهدكم ليقع جهد الكفار .

ولما كانت هذه الآية في{[36358]} سياق المعاتبة {[36359]}لمن تثاقل{[36360]} إلى الأرض عن الجهاد عند الاستنفار في غزوة تبوك ، وكان سبب التثاقل ما كان في ذلك الوقت من العسرة في المال والشدة بالحر وما كان من طيب الظلال في أراضي الجنان وقت الأخذ في استواء الثمار - كما هو مشهور في السير ؛ اقتضى المقام هنا تقديم المال والنفس بخلاف ما مضى فإن الكلام كان في المفاضلة بين الجهاد في سبيل الله وخدمة البيت ومن يحجه في هذه السورة التي صادف وقت نزولها بعد مواطن الجهاد وطول المفارقة للأموال ، والأولاد وقدم المال لأن النظر إليه من وجهين : قلته ، ومحبة الإقامة في الحدائق إيثاراً للتمتع بها وخوفاً من ضياعها مع أن بها قوام الأنفس ، فصار النظر إليها هو الحامل على الشح بالأنفس فقال تعالى : { بأموالكم وأنفسكم } أي بهما معاً على{[36361]} ما أمكنكم أو بأحدهما { في سبيل الله } أي الملك الأعلى أي{[36362]} حتى لا يبقى منه مانع { ذلكم } أي الأمر العظيم { خير } أي في نفسه حاصل { لكم } أي خاص بكم ، ويجوز أن يكون أفعل تفضيل بمعنى أن عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كائناً ما كان ، كما قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله : هل يمكن بلوغ درجة المجاهد ؟ فقال : هل تستطيع {[36363]}أن تقوم{[36364]} فلا تفتر وتصوم فلا تفطر{[36365]} ؟ وختم الآية بقوله : { إن كنتم تعلمون* } إشارة إلى أن هذا الأمر وإن كان عاماً فإنما ينتفع{[36366]} به ذوو الأذهان الصافية والمعالم الوافية ، فإن العلم - ولا يعد علماً إلا النافع - يحث على العمل وعلى إحسانه بإخلاص النية وتصحيح المقاصد وتقوية العزم وغير ذلك وضده يورث ضده .


[36352]:من البحر المحيط 5/44، وفي الأصل وظ: لم.
[36353]:في ظ: ما.
[36354]:من ظ ومعالم التنزيل ـ راجع لباب التأويل 3/83، وفي الأصل: استغفر.
[36355]:من المعالم، وفي الأصل وظ: لم يمكن.
[36356]:من ظ ومجمع الزوائد 9/312، وفي الأصل: يسفوني ـ كذا.
[36357]:وهذا الحديث قد أورده الهيثمي في زوائده برواية أبي يعلى مع زيادة على ما هنا.
[36358]:في ظ: من.
[36359]:من ظ، وفي الأصل: لما يتثاقل.
[36360]:من ظ، وفي الأصل: لما يتثاقل.
[36361]:سقط من ظ.
[36362]:زيد من ظ.
[36363]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36364]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36365]:راجع صحيح البخاري ـ كتاب الجهاد.
[36366]:في ظ: ينفع.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (41)

قوله تعالى : { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } { خفافا وثقالا } ، منصوب على الحال{[1788]} . ذلك تحريض بالغ على رفض العدوان والظلم أن يصيب المسلمين فيؤذيهم أو يذلهم . إنه تحريض قائم مجلجل يهتف بالمسلمين في كل مكان وزمان لكي يرفضوا الضيم لأنفسهم فيدرأوه درءا ويدفعوه بكل الأسباب من غير تردد في ذلك ولا نكوص .

إن على المسلمين –بناء على هذه الآية ونظائرها من الآيات في هذا الصدد- أن يلتئموا جميعا ليكونوا يدا واحدة على من سواهم من المعتدين المتربصين الذين يتحرشون بالمسلمين ليطغوا عليهم أو يبيدوهم إبادة . وليس أدل على التحريض البالغ لصد المعتدين من هذا القول الرباني الهاتف المؤثر { انفروا خفافا وثقالا } فقد أمر الله المسلمين بالنفر في أحوال والثقل ليجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم . وتأويل الخفة والثقال هنا موضع خلاف ؛ فقد قيل : المراد بالخفة هنا الشباب . أما الثقل فيراد به الشيخوخة ؛ أي انفروا شيبا وشبانا ، أو شيوخا وشبانا ، أو كهولا وشبانا . وقيل : أغنياء وفقراء . وقيل : نشاطا وغير نشاط . وقيل : ركبانا ومشاة . وقيل : مشاغيل وغير مشاغيل .

قوله : { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } يعني هذا الذي أمرتكم به من النفر في سبيل الله خفافا وثقالا للقاء العدو مجاهدين بأموالكم وأنفسكم لهم أنفع لكم من الركون للاسترخاء والدعة والنكول عن الجهاد { عن كنتم تعلمون } إن كنتم تعون وتدركون أهمية الجهاد في سبيل الله وفداحة الخطر الداهم الذي سيحيق بكم إذا نكلتم وتقاعستم عن الجهاد{[1789]} .


[1788]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 401.
[1789]:تفسير الطبري جـ 10 ص 98 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 150.