{ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } .
أي : ينبت لكم بماء المطر الزرع . كالقمح والشعير ، والذرة والفول والعدس ، وغير ذلك من الأغذية .
{ والزيتون } . الذي تستعملونه إداما في أغذيتكم .
{ والنخيل } . الذي يخرج التمر بأنواعه ، { والأعناب } . التي تتلذذون بها ، وفي العنب غذاء وفاكهة وتنعم .
{ ومن كل الثمرات } . التي تشتهونها وتنتفعون بها ، والتي تختلف في أنواعها ، وفي مذاقها ، وفي روائحها ، وفي ألوانها ، مع أن الماء الذي سقيت به واحد ، والأرض التي تنبت فيها متجاورة .
{ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } .
أي : إن فيما ذكر من إنزال الماء ، وإنبات أصناف الزروع والنخيل ، والأعناب والثمرات ، على اختلاف أنواعها وألوانها وأحجامها ، لدلائل على قدرة إله قادر ، قد أكمل نظام هذا الكون ، وسخر الشمس والقمر والليل والنهار ، والهواء والتراب والماء ؛ حتى يتكامل نظام الكون ، ويتيسر لهذا النبات النمو والنضج ، وإفادة الإنسان والحيوان .
فمن فكر في أن الحبة والنواة تقع في الأرض ، وتصل إليها نداوة تنفذ فيها ، فينشق أسفلها ، فيخرج منه عروق تنبسط في أعماق الأرض ، ويخرج منها ساق ينمو ، وتخرج فيه الأوراق والأزهار ، والحبوب والثمار المختلفة الأشكال ، والألوان والخواص ؛ علم أن من هذه آثاره ؛ لا يمكن أن يشبهه شيء في صفات كماله ، فضلا عن أن يشاركه في أخص صفاته ، وهي الألوهية واستحقاق العبادة5 .
وقد امتن الله سبحانه وتعالى بنعمة إنبات النبات ونموه ، وإحيائه الأرض بعد موتها ، وتفضله على الإنسان بإنزال الماء ، وإنبات الزروع والثمار ، متاعا للإنسان والحيوان ، في كثير من الآيات .
قال تعالى : { فلينظر الإنسان إلى طعامه*أنا صببنا الماء صبا*ثم شققنا الأرض شقا*فأنبتنا فيها حبا*وعنبا وقضبا*وزيتونا ونخلا*وحدائق غلبا*وفاكهة وأبا*متاعا لكم ولأنعامكم } . ( عبس : 24 32 ) .
وقال تعالى : { أمّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون } . ( النمل : 60 ) .
وقال سبحانه : { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } . ( الرعد : 4 ) .
ولما كان الشجر عاماً ، شرع سبحانه يفصله تنويعاً للنعم وتذكيراً بالتفاوت ، إشارة إلى أن الفعل بالاختيار ، فقال مبتدئاً بالأنفع في القوتية والائتدام والتفكه : { ينبت } أي هو سبحانه { لكم } أي خاصة { به } مع كونه واحداً في أرض واحدة { الزرع } الذي تشاهدونه من أقل الشجر مكثاً وأصغره قدراً ، { والزيتون } الذي ترونه من أطول الأشجار عمراً وأعظمها قدراً .
ولما كانت المنافع كثيرة في شجر التمر ، سماه باسمه فقال تعالى : { والنخيل } ولما كانت المنفعة في الكرم بغير ثمرته تافهة ، قال تعالى : { والأعناب } وهما من أوسط ذلك { ومن كل الثمرات } وأما كلها فلا يكون إلا في الجنة ، وهذا الذي في الأرض بعض من ذلك الكل مذكر به ومشوق إليه { إن في ذلك } أي الماء العظيم المحدث عنه وعن فروعه ، أو في إنزاله على الصفة المذكورة { لآية } بينة على أن فاعل ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة كما قدر على الابتداء ، وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده .
ولما كان ذلك ممن يحس ، وكان شغل الحواس بمنفعته - لقربه وسهولة ملابسته - ربما شغل عن الفكر في المراد به ، فكان التفطن لدلالته يحتاج إلى فضل تأمل ودقة نظر ، قال تعالى : { لقوم يتفكرون * } أي في أن وحدته وكثرة ما يتفرع عنه دليل على وحدة صانعه وفعله بالاختيار ، وأفرد الآية لوحدة المحدث عنه ، وهو الماء - كما قال تعالى في آية
{ تسقى بماء واحد }[ الرعد :4 ] وسيأتي في آية النحل كلام الإمام أبي الحسن الحرالي في هذا .
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : هذه السورة في التحامها بسورة الحجر مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير فرق ، لما قال تعالى
{ فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون }[ الحجر :92 ] وقال تعالى بعد ذلك في وعيد المستهزئين { فسوف يعلمون } أعقب هذا ببيان تعجيل الأمر فقال تعالى
{ أتى أمر الله فلا تستعجلوه }[ النحل :1 ] وزاد هذا بياناً قوله { سبحانه وتعالى عما يشركون } فنزه سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم ، وأتبع ذلك تنزيهاً وتعظيماً فقال تعالى { خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون } ثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته { خلق الإنسان من نطفة } ثم أبلغه تعالى حداً يكون فيه الخصام والمحاجة ، كل ذلك ابتلاء منه واختبار ليميز الخبيث من الطيب ، وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة ، وما هو سبحانه عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها ، وهدى من لم يستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته ، ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله بقوله { ولو شاء لهداكم أجمعين } فبين أن كل الواقع من هداية وضلال خلقه وفعله ، وأنه أوجد الكل من واحد ، وابتدأهم ابتداء واحداً { خلق الإنسان من نطفة } فلا بعد في اختلاف غاياتهم بعد ذلك ، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله { وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر - إلى قوله : لآية لقوم يتفكرون } انتهى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.