تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ} (9)

3

المفردات :

وعلى الله قصد السبيل : أي : وعليه السبيل القصد ، أي : المعتدل ، فإن قصد ، يقصد ، قصدا ، أي : استقام واعتدل ، ومنه الاقتصاد ، أي : الاعتدال والتوسط ، جاء في تفسير المراغي : يقال : سبيل قصد وقاصد ، إذا أدّاك إلى مطلوبك .

ومنها جائر : أي : ومن السبل مائل عن المحجّة ، منحرف عن الحق .

تسيمون : ترعون ماشيتكم .

{ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين } .

القصد : الاستقامة ، والسبيل : الطريق ، وقصد السبيل على تقدير مضاف ، أي : وعلى الله بيان : الطريق المستقيم ، وهو طريق الإسلام .

وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ؛ فالله سبحانه بحكمته العالية ، بين للناس : الطريق المستقيم ، وهو طريق الهدى وطاعة الرحمان ، وإتباع الإسلام ، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ومن السبل والطرق طرق جائرة مائلة عن الاستقامة منحرفة عن الجادة ، وهي كل طريق تخالف ما جاء به خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم من عقائد وشرائع وآداب ، فالطريق القصد المستقيم ، يوصل إلى الإسلام ، والطريق الجائر المنحرف ، يوصل إلى الكفر والضلال ، وفي هذا المعنى قال تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }( الأنعام : 153 ) .

{ ولو شاء لهداكم أجمعين } . لو أراد الله تعالى أن يهديكم جميعا إلى الإسلام لهداكم ، أي : لأجبركم على الهدى كالملائكة ، وهم عباد مكرمون ، { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } ( التحريم : 6 ) .

لكنه أراد سبحانه أن يخلق للإنسان العقل والإرادة والاختيار ، وحرية الفكر والتصرف ، فمن اختار طريق الهدى ؛ أعانه عليه ، ويسره له ، وأمدّه بالمعونة والتوفيق ، ومن اختار طريق الضلال والانحراف ، وآثر الهوى على الهدى ؛ تركه الله ضالا متحيرا ، وبذلك تكون هناك عدالة الجزاء يوم القيامة ، قال تعالى : { فأما من طغى*وآثر الحياة الدنيا*فإن الجحيم هي المأوى*وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى*فإن الجنة هي المأوى } ( النازعات : 37 41 ) .

وقال عز شأنه : { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا . . . } ( يونس : 99 ) .

وقال عز شأنه : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم . . . }( هود : 119 ، 118 ) .

وقال تعالى : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا*إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا }( الإنسان : 3 ، 2 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ} (9)

ولما كانوا في أسفارهم واضطرابهم في المنافع بهذه الحيوانات وغيرها يقصدون أسهل الطرق وأقومها وأوصلها إلى الغرض ، ومن عدل عن ذلك كان عندهم ضالاً سخيف العقل غير مستحق للعد في عداد النبلاء ، نبههم على أن ما تقدم في هذه السورة قد بين الطريق الأقوم الموصل إليه سبحانه بتكفله ببيان أنه واحد قادر عالم مختار ، وأنه هو المنعم ، فوجب اختصاصه بالعبادة ، وأخبرهم سبحانه أنه أوجب هذا البيان على نفسه فضلاً منه فقال تعالى : { وعلى } أي قد بين لكم الطريق الأمم وعلى { الله } أي الذي له الإحاطة بكل الشيء { قصد السبيل } أي بيان الطريق العدل ، وعلى الله بيان الطريق الجائر حتى لا يشك في شيء منهما ، فإن الطريق المعنوية كالحسية ، منها مستقيم من سلكه اهتدى { ومنها جائر } من سلكه ضل عن الوصول فهلك{ وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم }[ التوبة :115 ] الآية{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً }[ الإسراء : 15 ] فالآية من الاحتباك : ذكر أن عليه بيان القصد أولاً دلالة على حذف أن عليه بيان الجائر ثانياً ، وذكر أن من الطرق الجائر ثانياً دلالة على حذف أن منها المستقيم أولا ، وتعبير الأسلوب لبيان أن المقصود بالذات إنما هو بيان النافع ، ومادة قصد تدور على العدل السواء ، ومنه القصد ، أي الاستقامة ، واستقامة الطريق من غير تعريج ، وضد الإفراط كالاقتصاد ، ورجل ليس بالجسيم ولا بالضئيل ، وذلك لا يكون إلا عن إرادة وتوجه ، فإطلاق القصد على العزم مستقيماً كان أو جائراً ، إذا قلت : قصدته - بمعنى أتيته أو أممته ونويته ، من دلالة الالتزام ، وكذا القصد بمعنى الكسر بأيّ وجه كان ، وقيل : لا يقال : قصد ، إلا إذا كان بالنصف ، والقصيد : ما تم شطر أبياته ، لأن ذلك أعدل حالاته ، قال في القاموس : ثلاثة أبيات فصاعداً أو ستة عشر فصاعداً ؛ وقال الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في آخر كتابه المغرب في شرح القوافي : فالبيت على ثلاثة أضرب : قصيد ، ورمل ، ورجز ، فأما القصيد فالطويل التام ، والبسيط التام ، والكامل التام ، والمديد التام ، والوافر التام ، والرجز التام ، والخفيف التام ، وهو كل ما تغنى به الركبان ، ومعنى قولنا : المديد التام والوافر التام . نريد أتم ما جاء منهما في الاستعمال ، أعني الضربين الأولين منهما ، فأما أن يجيئا على أصل وضعهما في دائرتيهما فذلك مرفوض مطّرخ ؛ والقصيد : المخ السمين أو دونه ، والعظم الممخ ، والناقة السمينة بها نفي ، والسمين من الأسنمة - لأن بهذا الحال استقامة كل ما ذكر ، وكذا القاصد : القريب ، وبيننا وبين الماء ليلة قاصدة ، أي هينة السير ، لأنه أقرب إلى الاستقامة ، ومنه قصدت كذا - إذا اعتمدته وأممته وتوجهت إليه سواء كان ذلك عدلاً أو جوراً ، وانقصد الرمح - إذا انكسر على السواء ، كأنه مطاوع قصده ، والواحدة من تلك الكِسَر قصده بالكسر ، ورمح قصد - ككتف : متكسر ، والقصد - بالتحريك : العوسج - لأنه سريع التكسر ، والجوع - لأن الجائع قاصد لما يأكله متوجه إليه ، والقصد : مشرة العضاه تخرج في أيام الخريف لدنة تتثنى في أطراف الأغصان ، وهي خوصة تخرج فيها ، وفي كثير من الشجر في تلك الأيام ، أو هي الأغصان ، أو هي الأغصان الرطبة قبل أن تتلون وتشتد - سميت بذلك لخروجها وتوجهها إلى منظر العين ، أو توجه النظر إليها للسرور بها ، والقصيد : العصا - لأنها تقصد ويقصد بها ، وأقصد السهم : أصاب فقتل مكانه ، وأقصد فلاناً : طعنه فلم يخطئه ، والحية : لدغت فقتلت - يمكن أن يكون ذلك من الاستقامة لأن قصد فاعله القتل ، فكأنه استقام قصده بنفوذه ، ويمكن أن يكون من السلب أي أنه أزال الاستقامة لأن من مات فقد زالت استقامة حياته ، ومنه المقصد كمخرج ، وهو من يمرض ويموت سريعاً ، والقصيد بمعنى اليابس من اللحم - فعيل بمعنى مفعل ، أي أقصد فزالت استقامته بأن هلك جفافاً يبساً .

والصدق ضد الكذب ، وهو من أعدل العدل وأقوم القصد ، والصدق : الشدة ، إذ بها يمتحن الصادق من الكاذب ، ومنه رجل صدق ، أي يصدق ما يعزم عليه أو يقوله بفعله ، فهو شديد العزم سديد الأمر ، والصديق - كأمير : الحبيب الذي يصدق قوله في الحب بفعل ، والمصادقة والصداق - بالكسر : المخالة كالتصادق ، والصيدق - كصيقل : الأمين - لأنه مصدق في قوله ، والملك - لأن محله يقتضي الصدق لعدم حاجته إلى الكذب ، والقطب - لأنه أصدق النجوم دلالة لثباته ، وقال أبو عبد الله القزاز : هو اسم للسها ، وهو النجم الخفي الذي مع بنات نعش ، والصدق - بالفتح : الصلب المستوي من الرماح - لأنه يصدق ظن الطاعن به ، وكذا من الرجال ، والكامل من كل شيء ، ورجل صدق اللقاء والنظر ، ومصداق الشيء : ما يصدقه ، وشجاع ذو مصدق - كمنبر : صادق الحملة ، أي شديدها ، والصدقة - محركة : ما أعطيته في ذات الله لأنها تصدق دعوى الإيمان لدلالتها على شدة العزم فيه ، والصدقة - بضم الدال وسكونها : مهر المرأة لأنه يصدق العزم فيه وكسكيت : الكثير الصدق ، وصدقت الله حديثاً إن لم أفعل كذا - يمين لهم ، أي لا صدقت ، وفعله غب صادقة ، أي بعد ما تبين له الأمر ، وصدقه تصديقاً - ضد كذبه ، والوحشي : عدا ولم يلتفت لما حمل عليه ، والمصدق - كمحدث : آخذ الصدقات ، والمتصدق : معطيها .

ولما كان أكثر الخلق ضالاً ، كان ربما توهم متوهم أنه خارج عن الإرادة ، فنفي هذا التوهم بقوله - عطفاً على ما تقديره : فمن شاء هداه قصد السبيل ، ومن شاء أسلكه الجائر ، وهو قادر على ما يريد من الهداية والإضلال - : { ولو شاء } هدايتكم { لهداكم أجمعين * } بخلق الهداية في قلوبكم بعد بيان الطريق القصد ، ولكنه لم يشأ ذلك فجعلكم قسمين .