{ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين35 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين36 إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين37 } .
البلاغ المبين : أي : التبيين الواضح الذي لا إيهام فيه .
35 { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } .
أي : قال أهل الكفر والإشراك ، وهم كفار قريش : لو شاء الله ما عبدنا الأصنام نحن ولا آباؤنا ، ولا حرمنا ما حرمنا من أنواع الحيوانات كالبحائر والسوائب22 وغيرها ، قالوا هذا على سبيل الاستهزاء ، لا على سبيل الاعتقاد ، وغرضهم أن إشراكهم وتحريمهم لبعض الذبائح والأطعمة واقع بمشيئة الله ، فهو راض به ، وهو حق وصواب ، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم ، حيث تعلل المشركون بالمشيئة الإلهية في أكثر من موقع .
قال تعالى في الآية 148 من سورة الأنعام :
{ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } .
وهذه مقولة جديدة من مقولات المشركين ، في علة إشراكهم بالله ، فقد أحالوا إشراكهم وتحريمهم لبعض الذبائح والأطعمة ، على إرادة الله ومشيئته ، فلو شاء الله في زعمهم ألا يفعلوا شيئا من هذا لمنعهم من فعله ، وهذا وهم وخطأ في فهم معنى المشيئة الإلهية ، فالله سبحانه لا يريد لعباده الشرك ، ولا يرضى لهم أن يحرموا ما أحله لهم من الطيبات ، وإرادته هذه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه ، على ألسنة الرسل الذين كلفوا بالتبليغ ، ولهذا قال تعالى بعده : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } . فهذا أمره وهذه إرادته لعباده ، وقد شاءت إرادة الخالق الحكيم أن يخلق البشر باستعداد للهدى والضلال ، وأن يدع لهم مشيئة الاختيار . اه .
وقريب من هذه الآية ، ما ورد في الآيات 28 -30 من سورة الأعراف ، من قوله تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباؤنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون*قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون*فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } .
وهذه الشبهة تكررت على ألسنة الكافرين السابقين ؛ تبرئة لساحتهم ، وتنصلا من التبعة .
{ كذلك فعل الذين من قبلهم } . أي : مثل هذا التكذيب والاستهزاء ، فعل من قبلهم من المجرمين ، واحتجوا مثل احتجاجهم الباطل ، وتناسوا كسبهم لكفرهم ومعاصيهم ، وأن كل ذلك كان بمحض اختيارهم ، بعد أن أنذرتهم رسلهم عذاب النار وغضب الجبار .
{ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } .
أي : ليس على الرسل إلا تبليغ رسالات السماء بالحجة البينة ، والأدلة الواضحة ، وليس من شأنهم هداية الناس ، فهذه أمور تتعلق بمشيئة الله تعالى .
قال تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } . ( القصص : 56 ) .
وقصارى ذلك : إن الثواب والعقاب لابد فيهما من أمرين : تعلق مشيئة الله تعالى بوقوع أحدهما ، وتوجيه همة العبد إلى تحصيل أسبابه ، وصرف اختياره إلى الدأب على إيجاده ، وإلا كان كل من الثواب والعقاب اضطراريا لا اختياريا ، والرسل ليس من شأنهم إلا تبليغ الأوامر والنواهي ، أما العمل بها إلجاء وقسرا فليس من وظيفتهم ، لا في كثير ولا قليل . 23 .
ولما تم ما هو عجب من مقالهم ومآلهم ، في سوء أحوالهم ، وختم بتهديدهم ، عطف على قوله { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } موجباً آخر للتهديد ، معجباً من حالهم فيه ، فقال : { وقال الذين أشركوا } أي الراسخ منهم في هذا الوصف والتابع له ، على سبيل الاعتراض على من يدعوهم إلى التوحيد من نبي وغيره ، محتجين بالقدر عناداً منهم ، ومعترضين على من لا يسأل عما يفعل بأنه - لقدرته على كل شيء - غير محتاج إلى بعث الرسل ، فإرسالهم عبث - تعالى الله الحكيم عن قولهم ، فهو قول من يطلب العلة في أحكامه تعالى وفي أفعاله ، وهو قول باطل ، لأنه سبحانه الفعال لما يريد سواء أطلع العباد على حكمته أم لا : { لو شاء الله } أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، عدم عبادتنا لغيره { ما عبدنا } .
ولما كانت الرتب كلها متقاصرة عن رتبته وكانت متفاوته ، وكان ما يعبدونه من الأصنام في أدناها رتبة ، أدخلوا الجار فقالوا : { من دونه } وأعرقوا في النفي فقالوا : { من شيء } أي من الأشياء { نحن ولا ءاباؤنا } من قبلنا ! ولما ذكروا الأصل أتبعوه الفرع فقالوا : { ولا حرمنا } أي على أنفسنا { من دونه } أي دون أمره { من شيء } لأن ما يشاء لا يتخلف على زعمكم ، لكنه لم يشأ العدم ، فقد شاء وجود ما نحن عليه ، فنحن نتبع ما شاءه لا نتغير عنه ، لأنه لا يشاء إلا ما هو حق ، وضل عن الأشقياء - بكلمتهم هذه الحق التي أرادوا بها الباطل - أن مدار السعادة والشقاوة إنما هو موافقة الأمر لا موافقة الإرادة ، فما كان من الفعل والكف على وفق الأمر سعد فاعله ، وما خالفه قامت به الحجة على فاعله على ما جرت به عوائد الناس فشقي .
فلما انتهك ستر هذه المقالة المموهة ، وكان كأنه قيل استبعاداً لها : هل قالها غيرهم ؟ فقيل : نعم ! { كذلك } أي مثل هذا الفعل البعيد من السداد ، والقول الخارج عن الهداية والرشاد ، وهو الاعتراض على ربهم في إرسال الرسل ، مانعين لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة ، فإنه تعالى يريد إظهار ثمرة الملك بالحكم على ما يتعارفه العباد من إقامة الحجة بالأفعال الاختيارية وإن كانت بقضائه ، لأن ذلك مستور عن العباد { فعل } أي كذب بدليل الأنعام { الذين } ودل على عدم الاستغراق للزمان بقوله : { من قبلهم } وكان تكذيباً ، لأن قولهم اقتضى أن يكون ما هم عليه مما يرضاه الله ، والرسل يقولون : لا يرضاه ، ولا يرضى إلا ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه أو غير معاقب ، فكان ذلك سبباً للإنكار عليهم بقوله : { فهل } أي فما { على الرسل } أي الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم ، وهم الذين أرسلهم الله لدعاء العباد خلفاً عن سلف ؛ ولما كان الاستفهام بمعنى النفي - كما تقدم - إلا أنه صور بصورته ليكون كدعوى الشيء بدليلها فقال : { إلا البلاغ المبين * } وقد بلغوكم وأوضحوا لكم ، فصار وبال العصيان خاصاً بكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.