الصاعقة : نار محرقة تنزل من السماء ، ومن أسباب الصواعق اتحاد كهربية السحاب المختلفة النوع بموجبها أو اتحادها مع كهربية الأرض السالبة .
وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون . يرى جمهور المفسرين أن القائلين لموسى أرنا الله جهرة هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه وقد وردت آثار في تفسير ابن جرير الطبري وابن كثير . وقيل إن الذين طلبوا من موسى رِؤية الله جهرة هم عامة بني إسرائيل بدون تحديد لهؤلاء السبعين ( 147 ) .
ومعنى الآية : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم وتعنتم في الطلب فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة : لن نؤمن لك ولن نصدقك في قولك إن هذا كتاب الله حتى نرى الله عيانا لا ساتر بيننا وبينه ، فيكون كالجهر في الوضوح . فأخذتكم العقوبة التي صعقتكم بسبب جهلكم وتطاولكم وأنتم تشاهدونها بعيونكم .
الصاعقة كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة ، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت ، قوله تعالى : وخر موسى صعقا ( الأعراف 143 ) لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال : سبحانك تبت إليك ( الأعراف143 ) وفي التوراة : ( إن طائفة من بني إسرائيل قالوا : لماذا اختص موسى وهارون بكلام الله من دوننا ، وشارع ذلك في بني إسرائيل وقالوا لموسى بعد موت هارون : إن نعمة الله على شعب إسرائيل لأجل إبراهيم وإسحاق فتعم الشعب جميعه ، وأنت لست أفضل منه فلا يحق لك أن تسودنا بلا مزية ، وإنا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذهم إلى خيمة العهد فانشقت الأرض وابتلعت طائفة منهم وجاءت نار من الجانب الآخر فأخذت الباقين ) 148 ) . وهكذا كان بنو إسرائيل يتمردون ويعاندون وسوط العذاب يصب عليهم صبا جزاء كفرهم وعنادهم .
ذكرهم الله تعالى بذلك اختلاف آبائهم وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبرة ما تثلج بأقلها الصدور ، وتطمئن بالتصديق معها النفوس . وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم ، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله ، ومرة يعبدون العجل من دون الله ، ومرة يقولون : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . ( البقرة 55 ) وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . ( المائدة 24 ) . ومرة يقال لهم : وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم . ( الأعراف 161 ) فيقولون حنطة في شعيرة ، ويدخلون الباب من قبل أستاهم ، مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم التي يكثر إحصاؤها ) ( 149 ) .
ولما استتيبوا عن عبادة العجل{[2438]} التي تقيدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثل في الغباوة ، طلبوا رؤية بارئهم{[2439]} بالحس على ما له من صفات الكمال التي تأبى الابتذال ، {[2440]} ناسين{[2441]} لجميع{[2442]} النعم والنقم مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر والحال أن الفرقان الذي لا يدع شبهة ولا يبقى حيرة قائم بين أيديهم ، لأنهم من الجمود والوقوف مع الوهم والحس بمكان عظيم ، فذكرهم سبحانه ذلك{[2443]} مسلياً للنبي صلى الله عليه وسلم في إبائهم للإيمان به بما فعلوا مع موسى عليه السلام وهو أحدهم فقال { وإذ قلتم } أي{[2444]} بعد ما رأيتم من الآيات وشاهدتم من الأمور البينات { يا موسى } فدعوتموه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو بعضكم بعضاً ولم تخصوه بما يدل على تعظيمه لما رأيتم من إكرام الله له{[2445]} وإكرامكم على يده { لن } وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن كأنها لا أن{[2446]} ، يُسِّر بالتخفيف لفظها - قاله الحرالي . { نؤمن لك } أي لأجل قولك{[2447]} . قال الحرالي : وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به فتوقفوا عن الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به ، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور لأجله ، ومن آمن به فقد قَبِل أصل{[2448]} رسالته { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين{[2449]} }[ التوبة : 61 ] . ذ
{ حتى } كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى لكي{[2450]} .
{ نرى } من الرؤية وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه مبصره {[2451]}الذي أظهره منه منظره{[2452]} ، ومنه يقال في مطلع المنام : رؤيا ، لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة - انتهى .
{ الله } أي مع ما له من العظمة .
{ جهرة } أي عياناً{[2453]} من غير خفاء ولا نوع لبس . قال الحرالي : من الجهر وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة وبلاغه لمن لا يقصد في مقابلة السر المختص بمن يقصد به ، وهذا المطلوب مما لا يليق بالجهر لتحقيق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوّزه{[2454]} القرب من خاصة من يقبل عليه النداء من خاصة من يقع عنه الإعراض ، فكيف أن يطلب ذلك جهراً{[2455]} حتى يناله من هو في محل البعد والطرد ! وفيه شهادة بتبلدهم عن موقع الرؤية ، فإن موسى عليه السلام قال : { رب أرني{[2456]} }[ الأعراف : 143 ] ، وقال تعالى :{ وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها{[2457]} ناظرة *{[2458]} }[ القيامة : 22-23 ] وقال عليه الصلاة والسلام : " إنكم ترون ربكم " فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب لما في اسم الله تعالى من الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا{[2459]} مع ما هو فوت لا مع ما هو في المعنى نيل ، وذلك لسر{[2460]} من أسرار العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى فيما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال ، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به وإن كانت الأسماء كلها ترجع{[2461]} معاني بعضها لبعض ، { فأخذتكم }{[2462]} من الأخذ وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى .
أي لقولكم هذا لما فيه من الفظاعة وانتهاك الحرمة ، { الصاعقة }{[2463]} قيل : هي صيحة ، وقيل{[2464]} : نار نزلت من السماء فأحرقتهم ، ويؤيده قوله { وأنتم تنظرون * } أي تلك الصاعقة فأماتتكم{[2465]} ، لأنكم كنتم في طلبكم رؤيته على ضرب من حال عبدة العجل ، فأماتكم كما أماتهم بالقتل .