تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (55)

54

المفردات :

الصاعقة : نار محرقة تنزل من السماء ، ومن أسباب الصواعق اتحاد كهربية السحاب المختلفة النوع بموجبها أو اتحادها مع كهربية الأرض السالبة .

التفسير :

وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون . يرى جمهور المفسرين أن القائلين لموسى أرنا الله جهرة هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه وقد وردت آثار في تفسير ابن جرير الطبري وابن كثير . وقيل إن الذين طلبوا من موسى رِؤية الله جهرة هم عامة بني إسرائيل بدون تحديد لهؤلاء السبعين ( 147 ) .

ومعنى الآية : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم وتعنتم في الطلب فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة : لن نؤمن لك ولن نصدقك في قولك إن هذا كتاب الله حتى نرى الله عيانا لا ساتر بيننا وبينه ، فيكون كالجهر في الوضوح . فأخذتكم العقوبة التي صعقتكم بسبب جهلكم وتطاولكم وأنتم تشاهدونها بعيونكم .

قال بن جرير :

الصاعقة كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة ، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت ، قوله تعالى : وخر موسى صعقا ( الأعراف 143 ) لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال : سبحانك تبت إليك ( الأعراف143 ) وفي التوراة : ( إن طائفة من بني إسرائيل قالوا : لماذا اختص موسى وهارون بكلام الله من دوننا ، وشارع ذلك في بني إسرائيل وقالوا لموسى بعد موت هارون : إن نعمة الله على شعب إسرائيل لأجل إبراهيم وإسحاق فتعم الشعب جميعه ، وأنت لست أفضل منه فلا يحق لك أن تسودنا بلا مزية ، وإنا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذهم إلى خيمة العهد فانشقت الأرض وابتلعت طائفة منهم وجاءت نار من الجانب الآخر فأخذت الباقين ) 148 ) . وهكذا كان بنو إسرائيل يتمردون ويعاندون وسوط العذاب يصب عليهم صبا جزاء كفرهم وعنادهم .

قال الإمام ابن جرير :

ذكرهم الله تعالى بذلك اختلاف آبائهم وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبرة ما تثلج بأقلها الصدور ، وتطمئن بالتصديق معها النفوس . وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم ، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله ، ومرة يعبدون العجل من دون الله ، ومرة يقولون : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . ( البقرة 55 ) وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . ( المائدة 24 ) . ومرة يقال لهم : وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم . ( الأعراف 161 ) فيقولون حنطة في شعيرة ، ويدخلون الباب من قبل أستاهم ، مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم التي يكثر إحصاؤها ) ( 149 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (55)

ولما استتيبوا عن عبادة العجل{[2438]} التي تقيدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثل في الغباوة ، طلبوا رؤية بارئهم{[2439]} بالحس على ما له من صفات الكمال التي تأبى الابتذال ، {[2440]} ناسين{[2441]} لجميع{[2442]} النعم والنقم مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر والحال أن الفرقان الذي لا يدع شبهة ولا يبقى حيرة قائم بين أيديهم ، لأنهم من الجمود والوقوف مع الوهم والحس بمكان عظيم ، فذكرهم سبحانه ذلك{[2443]} مسلياً للنبي صلى الله عليه وسلم في إبائهم للإيمان به بما فعلوا مع موسى عليه السلام وهو أحدهم فقال { وإذ قلتم } أي{[2444]} بعد ما رأيتم من الآيات وشاهدتم من الأمور البينات { يا موسى } فدعوتموه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو بعضكم بعضاً ولم تخصوه بما يدل على تعظيمه لما رأيتم من إكرام الله له{[2445]} وإكرامكم على يده { لن } وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن كأنها لا أن{[2446]} ، يُسِّر بالتخفيف لفظها - قاله الحرالي . { نؤمن لك } أي لأجل قولك{[2447]} . قال الحرالي : وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به فتوقفوا عن الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به ، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور لأجله ، ومن آمن به فقد قَبِل أصل{[2448]} رسالته { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين{[2449]} }[ التوبة : 61 ] . ذ

{ حتى } كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى لكي{[2450]} .

{ نرى } من الرؤية وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه مبصره {[2451]}الذي أظهره منه منظره{[2452]} ، ومنه يقال في مطلع المنام : رؤيا ، لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة - انتهى .

{ الله } أي مع ما له من العظمة .

{ جهرة } أي عياناً{[2453]} من غير خفاء ولا نوع لبس . قال الحرالي : من الجهر وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة وبلاغه لمن لا يقصد في مقابلة السر المختص بمن يقصد به ، وهذا المطلوب مما لا يليق بالجهر لتحقيق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوّزه{[2454]} القرب من خاصة من يقبل عليه النداء من خاصة من يقع عنه الإعراض ، فكيف أن يطلب ذلك جهراً{[2455]} حتى يناله من هو في محل البعد والطرد ! وفيه شهادة بتبلدهم عن موقع الرؤية ، فإن موسى عليه السلام قال : { رب أرني{[2456]} }[ الأعراف : 143 ] ، وقال تعالى :{ وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها{[2457]} ناظرة *{[2458]} }[ القيامة : 22-23 ] وقال عليه الصلاة والسلام : " إنكم ترون ربكم " فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب لما في اسم الله تعالى من الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا{[2459]} مع ما هو فوت لا مع ما هو في المعنى نيل ، وذلك لسر{[2460]} من أسرار العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى فيما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال ، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به وإن كانت الأسماء كلها ترجع{[2461]} معاني بعضها لبعض ، { فأخذتكم }{[2462]} من الأخذ وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى .

أي لقولكم هذا لما فيه من الفظاعة وانتهاك الحرمة ، { الصاعقة }{[2463]} قيل : هي صيحة ، وقيل{[2464]} : نار نزلت من السماء فأحرقتهم ، ويؤيده قوله { وأنتم تنظرون * } أي تلك الصاعقة فأماتتكم{[2465]} ، لأنكم كنتم في طلبكم رؤيته على ضرب من حال عبدة العجل ، فأماتكم كما أماتهم بالقتل .


[2438]:العبارة من هنا إلى "في الغباوة" ليست في ظ.
[2439]:العبارة من هنا إلى "الابتذال" ليست في ظ.
[2440]:في م: الاستبدال.
[2441]:في م: ناشئين.
[2442]:في م ومد وظ: جميع
[2443]:العبارة من هنا إلى "أحدهم" ليست في ظ.
[2444]:هذه محاورة بني إسرائيل لموسى وذلك بعد محاورته لهم في الآية قبل هذا، والضمير في "قلتم" قيل للسبعين المختارين – قاله ابن مسعود وقتادة، وقيل الضمير لسائر بني إسرائيل إلا من عصمه الله – قاله ابن دريد، وقيل الذين انفردوا مع هارون ولم يعبدوا العجل، وفي نداء بني إسرائيل لنبيهم باسمه سوء أدب منهم معه، إذ لم يقولوا: يا نبي الله أو يا رسول الله أو يا كليم الله أو غير ذلك من الألفاظ التي تشعر بصفات التعظيم، وهي كانت عادتهم معه "يا موسى لن نصبر على طعام واحد" يا موسى اجعل لنا إلها" "يا موسى ادع لنا ربك" وقد قال الله تعالى لهذه الأمة: "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا" من البحر المحيط 1 / 210.
[2445]:ليس في ظ.
[2446]:في ظ: إلا أنه، وفي م: إلا أن.
[2447]:قال أبو حيان: "لن نؤمن لك" قيل معناه لن نصدقك فيما جئت به من التوراة ولم يريدوا نفي الإيمان به بدليل قولهم "لك" ولم يقولوا: بك نحو "وما أنت بمؤمن لنا" أي بمصدق؛ وقيل معناه لن نقر لك فعبر عن الإقرار بالإيمان وعداه باللام وقد جاء "لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلك أصري قالوا أقررنا" فيكون المعنى لن نقر لك بأن التوراة من عند الله، وقيل يجوز أن تكون اللام للعلة أي لن نؤمن لأجل قولك بالتوراة، وقيل يجوز أن يراد نفي الكمال أي لا يكمل إيماننا لك كما قيل فيقوله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله الناس أجمعين – انتهى.
[2448]:ليس في م.
[2449]:سورة 9 آية 61.
[2450]:في م ومد وظ: إلى.
[2451]:ليست في م.
[2452]:ليست في م.
[2453]:"حتى" هنا حرف غاية أخبروا بنفي إيمانهم مستصحبا إلى هذه الغاية، ومفهومها أنهم إذا رأوا الله جهرة آمنوا، والرؤية هنا هي البصرية وهي التي لا حجاب دونها ولا ساتر، وانتصاب جهرة على أنه مصدر مؤكد مزيل لاحتمال الرؤية أن تكون مناما أو علما بالقلب، والمعنى حتى نرى الله عيانا – البحر المحيط 1 / 210 وفيه تفصيل. قال المهائمي: "وإذ قلتم يا موسى" حين اختار سبعين من خياركم بأمر الله لتعتذروا إليه من عبادة العجل فأمرهم بالصوم والتطهر، فلما دنا من طور سيناء وقع عمود الغمام فدخله وأدخلهم خروا له سجدا فسمعوه يكلم موسى، فلما فرغ وانكشف الغمام قالوا "لن نؤمن لك" أي لقولك إنه مسموع من الله" حتى نرى الله جهرة" أي رؤية ظاهرة ظهور صوت الجهر، فغضب الله عليكم عن قولكم "لن نؤمن لك" لا عن طلب رؤيتكم إياه إذ لا يستحيل كرؤيته إيانا – انتهى.
[2454]:في م: يجوزه.
[2455]:في م: جبرا – كذا.
[2456]:زيد في م: انظر إليك – سورة 7 آية 143.
[2457]:سقط من م.
[2458]:سورة 75 آية 22 و 23.
[2459]:ليس في م.
[2460]:في م: السر.
[2461]:في ظ: يرجع.
[2462]:استولت عليكم وأحاطت بكم، وأصل الأخذ القبض باليد، والصاعقة هنا هل في نار من السماء أحرقتهم، أو الموت أو جند سماوي سمعوا حسهم فماتوا، أو الفزع فدام حتى ماتوا أو غشي عليهم، أو العذاب الذي يموتون منه، أو صيحة سماوية - أقوال أصحها أنها سبب الموت وإن كانوا قد اختلفوا في السبب – قاله المحققون لقوله تعالى "فلما أخذتهم الرجفة" وأجمع المفسرون أن المدة من الموت أو الصعق كانت يوما وليلة، وقيل أصاب موسى ما أصابهم، وقيل صعق ولم يمت، قالوا: وهو الصحيح، لأنه جاء "فلما أفاق" في حق موسى، وجاء "ثم بعثناكم" في حقهم؛ وأكثر استعمال البعث في القرآن بعث الأموات. "وأنتم تنظرون" جملة حالية، ومتعلق النظر أخذ الصاعقة إياكم، أي أنتم تنظرون إلى ما حل بكم منها، أو بعضكم إلى بعض كيف يخر ميتا، أو إلى الإحياء، أو تعلمون أنها تأخذكم فعبر بالنظر من العلم وفيه أقوال أخر - من البحر المحيط 1 / 212.
[2463]:العبارة من هنا إلى "قوله" ليست في ظ.
[2464]:زيد في م: هي.
[2465]:العبارة من هنا إلى "بالقتل" ليست في ظ.