73- وقوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها . .
أي اضربوا القتيل ببعض البقرة المذبوحة ولا قطع بتعين هذا البعض ، إنه اللسان أو الفخذ أو عجب الذنب ، فضربوه بجزء منها ، فأحياه الله تعالى ونطق باسم القاتل ثم مات بعد أن أخبر به .
قال الزمخشري : ( فإن قلت : هلا أحياه ابتداء ، ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها ؟ قلت : قي الأسباب والشروط حكم فوائد ، وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرب وأداء التكاليف ، واكتساب الثواب ، والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب ، وما في التشديد عليهم لتشديدهم ، من اللطف لهم والآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله تعالى ، وارتسامها على الفور من غير تفتيش وتكثير سؤال ، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة ، والدلالة على بركة البر بالوالدين ، والشفقة على الأولاد ، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه ولا يطلع على حقيقته ، من كلام الحكماء ، بيان أن من حق المتقرب إلى ربه أن يتأنق في اختيار ما يتقرب به ، وأن يختاره فتى السن غير قحم ولا ضرع ، حسن اللون بريئا من العيوب ، يونق من ينظر إليه ، وأن يغالي بثمنه ، كما يروى من عمر رضي الله عنه أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار ( 192 ) .
ذهب صاحب المنار إلى أن المراد بالإحياء في قوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى . حفظ الدماء واستبقاؤها وليس المراد به الإحياء الحقيقي بعد الموت وأن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره ، فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برئ من الدم ، ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية ( 193 ) .
والذي نراه أن المراد بالإحياء في قوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى . الإحياء الحقيقي للميت بعد موته وأن تفسيره بحفظ الدماء واستبقاؤها ضعيف لما يأتي :
1- مخالفته لما ورد عن السلف في تفسير الآية( 194 ) .
2- قال تعالى : كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون .
وهي قرينة على أن المراد بالإحياء رد أرواحهم بعد موتهم وليس هناك نص صحيح يعتمد عليه في مخالفة هذا الظاهر ، ولا توجد قرينة مانعة من إرادة هذا المعنى المتبادر من الآية بأدنى تأمل ، وما دام الأمر كذلك فلا يجوز تأويله بما يخلف ما يدل عليه اللفظ دلالة واضحة( 195 ) ومن التعسف الظاهر أن يراد من الموتى الأحياء من الناس ، وبإحياء الموتى تشريع العقوبات صونا لدماء الأحياء منهم . والله تعالى حينما أراد أن يدل على هذا المعنى قال : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون .
فهذه الآية الكريمة تدل على أن القصاص من الجناة يحفظ على الناس حياتهم بدون التواء أو تعمية .
3- الإراءة في الآية بصرية ولا عقلية ، وسياق الكلام يأبى أن يصرف عن الظاهر وخاصة قوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى . ( 196 ) .
وقال{[3152]} {[3153]}منبهاً بالالتفات إلى أسلوب العظمة على ما في الفعل المأمور به منها{[3154]} { فقلنا } أي{[3155]} بما لنا من العظمة ، { اضربوه }{[3156]} {[3157]}وأضمر ذكر البقرة ولم يظهر دلالة على اتحاد هذا الشق الأول من القصة الذي جعل ثانياً بالشق الذي قبله في أنهما قصة واحدة فقال{[3158]} { ببعضها } .
قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة : قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة فضربوه به فحيي ، {[3159]}يعني والدليل على هذا المحذوف قوله{[3160]} { كذلك } {[3161]}أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة{[3162]} { يحيي الله } {[3163]}أي الذي له صفات الكمال{[3164]} { الموتى } مثل هذا الإحياء الذي{[3165]} عوين وشوهد - انتهى . {[3166]}
روي أنهم لما ضربوه قام وقال : قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً فأخدا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك{[3167]} ؛ وهذه الخارقة كما أَخْبَرَ نَبِيَّنا صلى الله عليه وسلم ذراعُ الشاة المسمومة بأنه مسموم لما سمته اليهودية التي كانت في قومها هذه الآية ، وجعل هذا التنبيه على البعث في قصصهم ، لأنه من أعظم الأدلة عليه ، وقد وقع منهم ما ساغ معه عدهم منكرين وهو قولهم للمشركين : دينكم خير من دين محمد ، أو{[3168]} أن هذا{[3169]} تنبيه مقصود به حث العرب على سؤال من استنصحوهم في السؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم لكونهم أهل العلم الأول ، فهو ملزِم لهم باعتقاد البعث أو اعتقاد كذب اليهود ، وعبر بالاسم العلم لأن الإحياء من أخص الآيات بصفة الإلهية كما أن الإرزاق أخص الآيات بالربوبية{[3170]} { ويريكم آياته } فيما يشهد بصحته { لعلكم تعقلون * } {[3171]}أي لتكونوا برؤية تلك الآيات الشاهدة له على رجاء من أن يحصل لكم عقل فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره مما تخبر به الرسل عن الله تعالى .