6 - مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ .
أرسل الله رسلا وأنبياء كثيرين ، لهداية الناس ، وأنزل عليهم كتبه وصحفه ، وأيدهم بالمعجزات ، لكن قومهم كذبوا بعد هذه المعجزات ، فاستحقوا الهلاك ، وكان أهل مكة أشد نكرانا وجحودا ، ذلك أن الله أمد رسوله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، وأيده بالقرآن ، وبعدد من المعجزات المادية الملموسة ، مثل : النصر في بدر ، ونزول الملائكة ، وشفاء المرضى على يديه ، وتكثير الطعام ، ونبع الماء في بعض الغزوات ، وعلم الله أن أهل مكة لن يؤمنوا ، إذا جاءتهم المعجزات المادية ، ولذلك قال سبحانه في هذه الآية ما معناه : أرسلنا رسلا وأيدناهم بالمعجزات ، فلم يؤمن أهلهم بذلك ، فاستحقوا الهلاك ، أفيؤمن هؤلاء الكفار برسالتك ؟
إن هذا بعيد ، وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى : وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا . ( الإسراء : 59 ) .
قال قتادة : قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كان ما تقوله حقا ويسرُّك أن نؤمن ؛ فحوِّل لنا الصفا ذهبا ، فأتاه جبريل فقال : إن شئت كان الذي سألك قومك ، ولكنه إن كان ، ثم لم يؤمنوا ؛ لم ينظروا ، وإن شئت استأنيت بقومك ، قال : بل أستأني بقومي ، فأنزل الله .
مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ
ولما أشار سبحانه إلى فساد طعنهم بما جعله هباء منثوراً ، وتضمن قولهم الذي سببوه عنه{[50449]} القرار بالرسل البشريين وأياتهم ، أتبعه بيان ما عليهم فيه ، فبين أولاً أن الآيات تكون سبباً للهلاك ، فقال جواباً لمن{[50450]} كأنه قال : رب أجبهم {[50451]}إلى ما{[50452]} اقترحوه ليؤمنوا : { ما ءامنت } أي بالإجابة إلى الآيات المقترحات .
{[50453]}ولما كان المراد استغراق الزمان ، جرد الظرف عن الخافض فقال{[50454]} : { قبلهم } {[50455]}أي قبل كفار مكة المقترحين عليك ، وأعرق في النفي فقال{[50456]} : { من قرية } {[50457]}ولما كان المقصود التهويل في الإهلاك ، وكان إهلاك القرية دالاً على إهلاك أهلها من غير عكس{[50458]} ، دل على إهلاك جميع المقترحين تحذيراً من مثل حالهم بوصفها بقوله {[50459]}في مظهر العظمة المقتضي{[50460]} لإهلاك المعاندين : { أهلكناها } أي على كثرتهم
{ وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح }[ الإسراء : 17 ] ، { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون }[ الشعراء : 208 ] ، { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً }[ الإسراء : 15 ] " و{[50461]}ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " وأشار بذلك{[50462]} إلى أنه لم يسلم عند البأس إلا قرية واحدة وهم قوم يونس لأنهم آمنوا عند رؤية المخايل{[50463]} وقيل الشروع في الإهلاك ، وهو إشارة إلى أن سبب الإيمان مشيئته سبحانه لا الآيات{[50464]} .
ولما كانوا كمن قبلهم إن لم يكونوا دونهم ، حسن الإنكار في قوله : { أفهم يؤمنون* } أي كلا ! بل لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم حين لا ينفع الإيمان ، {[50465]}وقد قضينا في الأزل أن لا نستأصل هذه الأمة إكراماً لنبيها ، فنحن لا نجيبهم إلى المقترحات لذلك{[50466]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.