سورة الأنبياء سورة مكية بالاتفاق وآياتها ( 112 ) آية وقد نزلت قبيل الهجرة إلى المدينة أي : حوالي السنة الثانية عشرة من البعثة وسميت بسورة الأنبياء ؛ لأنه اجتمع فيها على قصرها كثير من قصص الأنبياء ؛ فسميت السورة باسمهم .
هي سورة مكية نزلت في آخر العهد المكي أي : في ذروة تجبر أهل مكة وعنتهم وانصرافهم عن الإسلام فنزلت تنذر هؤلاء الكفار باقتراب العذاب ففي بدايتها : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَُّعْرِضُونَ . ( الأنبياء : 1 ) .
ثم ساقت السورة الأدلة على الألوهية والتوحيد والرسالة والبعث . وهي الموضوعات التي عنيت بها السور المكية ؛ من أجل تقرير العقيدة والدفاع عنها .
ونلحظ هنا أن السورة قد عالجت هذه الموضوعات بعرض النواميس الكونية الكبرى ، وربط العقيدة بها .
فالعقيدة في سورة الأنبياء جزء من بناء هذا الكون يسير على نواميسها الكبرى .
وهذه العقيدة تقوم على الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض ، وليست لعبا ولا باطلا ، كما أن هذا الكون لم يخلق عبثا ، ولن يترك سدى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ . ( الأنبياء : 16 ) .
ويلفت السياق أنظار الناس إلى مظاهر الكون الكبرى في السماء والأرض ، والرواسي والفجاج ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، موجها الأنظار إلى وحدة النواميس التي تحكمها وتصرفها ، وإلى دلالة هذه الوحدة على وحدة الخالق المدبر والمالك الذي لا شريك له في الملك ، كما أنه لا شريك له في الخلق . لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا . . . ( الأنبياء : 22 ) .
ثم تتحدث السورة عن وحدة النواميس التي تحكم الحياة في هذه الأرض ، وعن وحدة مصدر الحياة :
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . . . ( الأنبياء : 30 ) .
وعن وحدة النهاية التي ينتهي إليها الأحياء : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ . . . ( الأنبياء : 35 ) .
والعقيدة وثيقة الارتباط بتلك النواميس الكونية ، فهي واحدة كذلك وإن تعدد الرسل على مدار الزمان . وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ . ( الأنبياء : 25 ) .
وكما أن العقيدة وثيقة الارتباط بنواميس الكون الكبرى ، فذلك ملابسات هذه العقيدة في الأرض .
فالسنة التي لا تتخلف أن يغلب الحق في النهاية وأن يزهق الباطل ؛ لأن الحق قاعدة كونية وغلبته سنة إلهية . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق . . . ( الأنبياء : 18 ) .
وأن يحل الهلاك بالظالمين المكذبين وينجي الله الرسل والمؤمنين : ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ . ( الأنبياء : 9 ) .
وأن يرث الأرض عباد الله الصالحون : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . ( الأنبياء : 105 ) .
ومن ثم يستعرض السياق أمة الرسل الواحدة في سلسلة طويلة استعراضا سريعا ، يطول بعض الشيء عند عرض حلقة من قصة إبراهيم عليه السلام وعند الإشارة إلى داود وسليمان عليهما السلام .
ويقصر عند الإشارة إلى قصص : نوح ، وموسى ، وهارون ، ولوط ، وإسماعيل ، وإدريس ، وذى الكفل ، وذى النون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى عليهم السلام .
وفي هذا الاستعراض تتجلى المعاني التي سبقت في سياق السورة – تتجلى في صورة وقائع في حياة الرسل والدعوات ، بعد ما تجلت في صورة قواعد عامة ونواميس .
كذلك يتضمن سياق السورة بعض مشاهد القيامة ، وتتمثل فيها تلك المعاني نفسها في صورة واقع يوم القيامة .
وهكذا تتجمع الأساليب المنوعة في السورة على هدف واحد هو استجاشة القلب البشري لإدراك الحق الأصيل في العقيدة التي جاء بها خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتلقاها الناس غافلين معرضين لاهين . كما تصفهم السورة في مطلعها .
إن هذه الرسالة حق كما أن هذا الكون حق وجد . فلا مجال للهو في استقبال الرسالة ، ولا مجال لطلب الآيات الخارقة ، وإن آيات الله في الكون وسنن الكون كله توحي بأنه الخالق القادر الواحد ، والرسالة من لدن ذلك الخالق القادر الواحد .
النظم في سورة الأنبياء يختلف عن النظم في سورة مريم وسورة طه . هناك كان النظم سهلا والختام رخيا يختم في الغالب بالألف اللينة .
أما في سورة الأنبياء فالنظم هنا نظم التقرير الذي يتناسق مع موضوعها ، ومع جو السياق في عرض هذا الموضوع ، ولذلك ختمت آياتها بالميم أو بالنون .
وإذا نظرنا إلى الجانب الذي عرض من قصة إبراهيم في سورة مريم ، وجدنا أن الحلقة التي عرضت هناك حلقة الحوار الرخي بين إبراهيم وأبيه . وقد ختمت آيات الحوار هناك بالألف اللينة مثل : نبيا ، صفيا ، عليا .
وأما هنا فجاءت حلقة تحطيم الأصنام ، وإلقاء إبراهيم في النار ، وليتم التناسق في الموضوع والجو والنظم والإيقاع فقد ختمت قصة إبراهيم هنا بالنون أو الميم التي تفيد : التقرير والتأكيد ، أو ما يشبه أحكام القضاء بعد تفكر وتأمل وترتيب .
يمكن أن تقسم سورة الأنبياء إلى أربعة أقسام ، يمضي السياق خلالها من قسم إلى آخر ، ويمهد كل شوط للذي يليه .
يبدأ الشوط الأول : بمطلع قوى الضربات ، يهز القلوب هزا وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق ، وهي عنه غافلة لاهية : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَُّعْرِضُونَ . ( الأنبياء : 1 ) .
ثم يهزها هزة أخرى بمشهد من مصارع الغابرين الذين كانوا عن آيات ربهم غافلين : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ . ( الأنبياء : 11 ) .
ثم يربط بين الحق والجد في الدعوة والحق والجد في نظام الكون ، وبين عقيدة التوحيد ونواميس الوجود ، وبين وحدة الخالق المدبر ووحدة الرسالة والعقيدة ، ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها على النحو الذي أسلفناه ، ويستغرق هذا الشوط من أول السورة إلى الآية : 35 .
أما الشوط الثاني : فيرجع بالحديث إلى الكفار الذين يواجهون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالسخرية والاستهزاء ، بينما الأمر جد وحق ، وكل ما حولهم يوحي باليقظة والاهتمام . وهم يستعجلون العذاب ، والعذاب منهم قريب . . وهنا يعرض مشهدا من مشاهد القيامة ، ويلفتهم إلى ما أصاب المستهزئين بالرسل قبلهم ، ويقرر :
أن ليس لهم من الله من عاصم ويوجه قلوبهم إلى تأمل يد القدرة وهي تنقص الأرض من أطرافها ، وتزوى رقعتها وتطويها فلعل هذا أن يوقظهم من غفلتهم التي جاءتهم من طول النعمة وامتداد الرخاء .
وينتهي هذا الشوط بتوجيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيان : وظيفته : قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ . وإلى الخطر الذي يتهددهم في غفلتهم : وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ . ( الأنبياء : 45 ) . حتى تنصب الموازين القسط وهم في غفلتهم سادرون . ويستغرق هذا الشوط من الآية : 36 إلى الآية : 47 .
ويتضمن الشوط الثالث : استعراض أمة النبيين وجهاد الرسل وبلائهم في سبيل الحق ويبدأ الشوط بموسى وهارون وقد أنعم الله عليهما بالفرقان وهو التوراة ؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل ، ثم ذكر : إبراهيم وقد أعطاه الله الرشد والهداية فأنكر على قومه عبادة الأصنام ثم حطمها ، فألقي في النار فجعلها الله بردا وسلاما عليه . ثم نجاة لوط من قومه المعتدين ، ونجاة نوح وأتباعه من الطوفان ، ثم ذكر : حكم داود وفهم سليمان ، وتسخير الشياطين والجن ؛ لتعمل بين يديه بإذن ربه ، ثم تضرع أيوب ، ودعاء يونس ، وسؤال زكريا ، وصلاح مريم ، ويعقب الشوط بأن هناك وحدة بين هذه الرسالات في العقيدة والإيمان والهدف والقيم والسلوك : إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ . ( الأنباء : 92 ) .
وتتجلى في رسالة الأنبياء عناية الله بهم ، ورعايته لأهل رسالته وتوليهم بالعناية والرعاية وأخذ المكذبين والظالمين أخذ عزيز مقتدر ، ويستغرق هذا الشوط من الآية 48 إلى الآية 95 .
أما الشوط الرابع والأخير : فيعرض النهاية والمصير ، في مشهد من مشاهد القيامة المثيرة . حين يفتح سد يأجوج ومأجوج ويعرض ذل الكفار في عذاب جهنم ونعيم المؤمنين في الجنة ثم طي السماوات في ساعة القيامة ، ثم توجه السياق إلى الرسول بالخطاب فذكر : أن الله أرسله بالرحمة والإحسان لتبليغ رسالة الله إلى الناس . ثم ختمت السورة بمثل ما بدأت : إيقاعا قويا ، وإنذارا صريحا ، وتخلية بينهم وبين مصيرهم المحتوم ويستغرق هذا الشوط من الآية 96 إلى 112 .
وفي آخر آية للسورة رنين يتحدى الكفار ويتوعدهم بحكم الله العادل : قَلَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ . ( الأنبياء : 112 ) .
{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ( 1 ) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لَاهِيَةًً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ( 3 ) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 4 ) بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ( 5 ) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ( 6 ) } .
1- اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ .
اقترب : اقترب وقرب بمعنى واحد ، والمراد من اقتراب الحساب : اقتراب زمانه ، وهو مجيء الساعة .
مطلع قوى يهز القلوب هزا ، ويثير الفزع عند كل غافل أو مستهتر ، أو معرض عن البعث والحساب والجزاء ، فالدنيا قصيرة الأمد ، واليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل ، والموت يأتي بغتة ، فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَآخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ . ( النحل : 61 ) .
دنا وقت الحساب والجزاء ، والناس غافلون عن حسابهم ، ساهون لا يفكرون في عاقبتهم ، مع أن قضية العقل تقضي بجزاء المحسن والمسيء ، ومن شأن كفار مكة أنهم إذا تلى عليهم الوحي ، ونبهوا من غفلتهم ، بما يتلى عليهم من الآيات والنذر ، أعرضوا ، وسدوا آذانهم عن سماع الوحي ، وعن التنبيه لأمور الآخرة .
سورة الأنبياء{[1]}
مقصودها الاستدلال على تحقيق الساعة وقربها ولو بالموت ، ووقوع الحساب فيها على الجليل والحقير ، لأن موجدها لا شريك له يعوقه عنها ، وهو من لا يبدل القول لديه ، والدال على ذلك أوضح دلالة مجموع قصص جماعة ممن ذكر فيها من الأنبياء عليهم السلام ، ولا يستقل قصة منها استقلالا ظاهرا بجميع ذلك كما سنبين ، ولا يخلو قصة من قصصهم عن دلالة على شيء من ذلك فنسبت{[2]} إلى الكل – والله الموفق .
{ بسم } الحكيم العدل الذي تمت قدرته وعم{[3]} أمره { الله{[4]} } {[5]}الملك الذي لا كفوء له{[6]} { الرحمن } الذي ساوى بين خلقه في رحمة إيجاده{[7]} { الرحيم* } الذي ينجي من شاء من عباده في معاده .
لما ختمت طه بإنذارهم بأنهم سيعلمون الشقي والسعيد ، وكان هذا العلم تارة يكون في الدنيا بكشف الحجاب بالإيمان ، وتارة بمعاينة ظهور الدين وتارة بإحلال العذاب بإزهاق الروح بقتل أو غيره ، وتارة ببعثها يوم الدين ، افتتحت هذه بأجلى ذلك وهو{[50356]} اليوم الذي يتم فيه كشف الغطاء فينتقل فيه الخبر من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين وهو يوم الحساب ، فقال تعالى : { اقترب للناس } أي عامة أنتم وغيركم { حسابهم } أي في يوم القيامة ؛ وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها ، {[50357]}وأخر الفاعل تهويلاً لتذهب النفس في تعيينه{[50358]} كل مذهب ، ويصح أن يراد بالحساب الجزاء ، فيكون ذلك تهديداً بيوم بدر والفتح ونحوهما ، ويكون المراد بالناس حينئذ قريشاً أو جميع العرب ، والحساب : إحصاء الشيء والمجازاة عليه بخير أو شر { وهم } أي الحال أنهم {[50359]}من أجل ما في جبلاتهم من النوس ، وهو الاضطراب الموجب لعدم الثبات على حالة الأمن ، أنقذه الله منهم من هذا النقص وهم قليل جداً{[50360]} { في غفلة } فهي{[50361]} تعليل لآخر تلك على ما تراه ، لأنهم إذا نشروا علموا ، وإذا أبادتهم الوقائع علموا هم بالموت ، ومن بقي منهم بالذل المزيل لشماخة{[50362]} الكبر ، أهل الحق من أهل{[50363]} الباطل ، وقوله{[50364]} : { معرضون* } كالتعليل للغفلة ، أي أحاطت بهم الغفلة بسبب إعراضهم عما يأتيهم منا ، وسيأتي ما يؤيد{[50365]} هذا في قوله آخرها { بل كنا ظالمين } {[50366]}وإلا فالعقول قاضية بأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء{[50367]} .
وقال الإمام أبو جعفر بن{[50368]} الزبير في برهانه : لما تقدم قوله سبحانه{ لا تمدن عينيك }[ طه : 131 ] - إلى قوله -{ فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى }[ طه : 131 ] قال تعالى { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } أي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق ، ونسأل عن قليل ذلك وكثيره{ و{[50369]}لتسألن يومئذ عن النعيم }[ التكاثر : 8 ] والأمر قريب { اقترب للناس حسابهم } وأيضاً فإنه تعالى لما قال{ وتنذر به قوماً لداً }[ مريم : 97 ] وهم الشديدو الخصومة في الباطل ، ثم{[50370]} قال{ وكم أهلكنا قبلهم من قرن }[ مريم : 74 ] إلى آخرها{[50371]} ، استدعت{[50372]} هذه الجملة بسط حال ، فابتدئت بتأنيسه عليه الصلاة السلام وتسليتة ، حتى لا يشق عليه لددهم ، فتضمنت سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله{ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }[ طه : 2 ] وتأنيسه بقصة موسى عليه السلام وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى عليه السلام لرد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله ، وأهلكه ، وأورث عباده أرضهم وديارهم ، ثم اتبعت بقصة آدم عليه السلام ليرى نبيه صلى الله عليه وسلم سنته في عباده حتى أن آدم عليه السلام{[50373]} وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من{[50374]} أبناء جنسه - فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه ، وكل هذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه إذا تقرر لديه أنها سنة الله تعالى في عباده هان عليه لدد قريش ومكابدتهم ، ثم ابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس ، فبين اقتراب الحساب ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء ، ثم اتبع ذلك سبحانه بعظات ، ودلائل وبسط آيات ، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته بإهلاك من لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفي الأمم ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها }[ الأنبياء : 6 ] وفي قوله{ أفهم يؤمنون }[ الأنبياء : 6 ] تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر قريش ومن قبل ما{[50375]} الكلام بسبيله ، وقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة إبراهيم عليه السلام من المواعظ والتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى الاعتبار بها ما يعقب لمن اعتبر به التسليم والتفويض{[50376]} لله سبحانه والصبر على الابتلاء وهو من مقصود السورة ، وفي قوله{ ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين }[ الأنبياء : 9 ] إجمال لما فسره النصف الأخير من هذه السورة{[50377]} من تخليص الرسل عليهم السلام من قومهم وإهلاك من أسرف وأفك{[50378]} ولم يؤمن ، وفي ذكر تخليص الرسل وتأييدهم{[50379]} الذي تضمنه النصف الأخير من لدن قوله{ ولقد ءاتينا إبراهيم رشده }[ الأنبياء : 51 ] إلى آخر السورة كمال الغرض المتقدم من التأنيس وملاءمة ما تضمنته سورة طه وتفسير لمجمل{ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً }[ مريم : 98 ] انتهى{[50380]} .