فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ} (6)

{ بل قالوا أضغاث أحلام } إضراب وانتقال من بيان افترائهم السابق إلى بيان افتراء آخر ، فلم يكتفوا باستنكار أن يرسل برسالة من الله مع أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، ولكن أضافوا إلى هذا زعما باطلا أن القرآن تخاليط أحلام ؛ ثم أضربوا البهتان الذي ادعوه ، وقالوا : { بل افتراه } بل اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه ؛ ثم اضطربوا فقالوا : { بل هو شاعر } يقص علينا أخيلة وأوهاما ليست من الحقيقة في شيء ، { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } ليطالعنا بمعجزة إن كان صادقا في ادعاء النبوة حتى نعلم أنه نبي ، كما كان الأنبياء السابقون يجيئون أقوامهم بخوارق العادات إثباتا لصحة نبوتهم ، كما جاء صالح قومه بالناقة ، وجاء موسى بتسع معجزات ، وجاء عيسى بإبراء الأكمة والأبرص وغيرهما ؛ { فليأتنا بآية } جواب شرط محذوف يفصح عنه السياق كأنه قيل : وإن لم يكن كما قلنا بل كان رسولا من الله عز وجل كما يقول { فليأتنا بآية } { ما آمنت قبلهم من قرية } كلام مستأنف مسوق لتكذيبهم فيما ينبئ عنه خاتمة مقالهم من الوعد الضمني بالإيمان عند إتيان الآية المقترحة ، وبيان أنهم في اقتراح ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه ، وأن في ترك الإجابة إليه إبقاء عليهم ، كيف لا ! ولو أعطوا ما اقترحوه مع عدم إيمانهم قطعا لاستأصلوا ، لجريان سنة الله تعالى شأنه في الأمم السالفة على استئصال المقترحين منهم إذا أعطوا ما اقترحوه ثم لم يؤمنوا ، وقد سبقت كلمته سبحانه أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال . . . { من قرية } على حذف المضاف ، أي : من أهل قرية و{ من } مزيدة لتأكيد العموم ، وما بعدها في محل رفع على الفاعلية ؛ وقوله سبحانه : { أهلكناها } في محل جر أو رفع صفة { قرية } والمراد : أهلكناها بإهلاك أهلها لعدم إيمانهم بعد مجيء ما اقترحوه . . . . والهمزة في قوله سبحانه : { أفهم يؤمنون } لإنكار الوقوع ، والفاء للعطف . . . على{ ما آمنت } على أن الفاء متقدمة على الهمزة في الاعتبار ، مفيدة لترتيب إنكار وقوع إيمانهم على عدم إيمان الأولين . {[2112]}


[2112]:ما بين العارضتين من روح المعاني.